Kameel Nasrawi

حنين إلى زمن الجوع و الخوف

جريدة المهاجر the migrant

كميل نصراوي ـ جريدة المهاجر : تعرّفت على الفروج المشوي في المرحلة الثانوية ، وذلك حين دخلت

مطعماً يبعد عن مطاعم الخمسة نجوم بعد الأرض عن نجوم المجرّة وكوكب زحل . طلبت فروجاً بأكمله

والتهمته بلحمه وعظامه. خاب ظن جميع القطط التي كانت تحوم حول طاولتي وعادت أدراجها خائبة

جائعة . انتهى لقائي الأول بالفروج محمولاً على الأكتاف لأن صاحب المطعم لم يترك عظمة في جسدي إلا

وحطّمها عندما عرف أني لا أملك ثمن عظمة من عظام الراحل بأكمله ” الفروج المشوي” .

في المرحلة الجامعية تشرّفت بالتعرف على الكباب واللحم المشوي وأكلته بشغفي المعهود ، وعدت أيضا

إلى البيت محمولاً على الأكتاف وعظام جسدي احتاج الطبيب إلى خريطة وبوصلة طبية لإعادة ترتيب

أماكنها !. وحين قررت الزواج التقيت وجهاً لوجه وللمرة الأولى في حياتي مع البقلاوة . جلبت علبة لأهل

عروستي الموعودة وكنت أنتظر على أحرّ من الجوع وبشوق جامح لا لعروستي وإنما للحظة التي يفتحون

فيها علبة البقلاوة ويقدمون لي شيئا منها، وعندما فعلوا ذلك تساءلت:هل يجب أن أتصرف كالآخرين وأشعر

بالخجل في أول لقاء ؟ كل هذه الهواجس تبدّدت وتصرفت على سجيتي عندما شاهدت علبة البقلاوة

أمامي .ولم أغادر بيت العروس إلا بعدما أتيت على العلبة بأكملها.

والد خطيبتي كان رحوماً معي ولم يكسر لي سوى فكيّ الأسفل والعلوي، ومع كل ضربة كان يهوي بها

على وجهي ، بيده حيناً وبعلبة البقلاوة الفارغة حينا آخر يردد بعصبية : جاي تتعرف ع البنت أمّا على

البقلاوة ؟!

وخوفاً على صحتي التي تدهورت بشكل حاد لأن شبكة علاقاتي لم تجلب لي غير الحطام ، نصحني

كثيرون بالهجرة و بتوسيع صداقاتي مع البشر لأن الوضع في كندا يختلف عما عليه في بلادنا. حاولت

تطبيق نصيحتهم و وعدت نفسي وزوجتي بتغيير طباعي والإقتراب من البشر والإبتعاد عن علاقاتي

الغذائية المشبوهة.

في إحدى المرات ذهبت إلى المقهى وطلبت من الموظف قهوة مثلّجة  ISIS Coffee please

استغرب الموظف ما طلبت، وبدل أن يجلب لي القهوة جلب الشرطة ! قابلني الشرطي بابتسامة وطلب

مني أن أكرر ما طلبته مجددا ، ففعلت لكنه لاحظ أن لغتي الإنكليزية مثل لغة أي صيني يتكلم العربية !

فطلب لي مترجماً على الهاتف واستوضحني المترجم ماذا أريد بالضبط فقلت له : طلبت  ISIS Coffee  .

سمع كل من في الأرجاء صوت المترجم وهو يلطم على وجهه ويصرخ بانفعال ويقول لي : كان يجب عليك

أن تطلب Ice coffee  …  

ISIS هي اختصار لكلمة ” داعش ” بالإنكليزية …”حدا بيطلب قهوة “داعش” بكندا ؟ شو مفكر أبو بكر

البغدادي مؤسس الـ “تيم هورتون “!! .

أعطاني الشرطي بابتسامة ثابتة على وجهه درساً في النحو والصرف ثم انصرف بكل لباقة رغم أني

توقعت أن يحطم عظامي مجدداً لكنه لم يفعل ،عندها شعرت بمرارة كبيرة وتساءلت في قرارة نفسي ماذا

كان سيحصل لي لو حدث هذا الخطأ اللغوي في أي بلد عربي ؟ حتما سأقرّ وأعترف من أول كفّ بأنني

كاتم أسرار “البغدادي” !.

استهلكت نصف عمري وأنا أخاف من شرطيّ نجح في شهادته الإبتدائية بشقّ الأنفس، فكيف سأقضي

نصف عمري الثاني مع شرطة كنديّة بهذه اللطافة ؟!

 

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً