fbpx
Connect with us

مقالات

يومٌ من الأيام

Published

on

المهاجرـ حسام الصعوب : جالَتْ في الغرفة كريحٍ شمالية ! لكنها لم تَكُنْ مُسرِعة !

مَشَتْ و إحدى قدميها تشُدُّ الأخرى ، كما لو أنهما مقيدتان بسلاسل غير مرئيةٍ من حزن ٍمرئي !

لا هِمَّة لها للحياةِ هذا الصباح ! كلُّ شيءٍ مشرقٌ من حولِها ، لكن العيون يغشاها الأرق ، حتى المطبخ ُ القريب ُ من غرفتها ، تبدو زيارتُه كالرحيل ِ من النفسِ و إليها ! قريبة ٌ في متناول اليد و بعيدة ٌ كالهجرةِ إلى القمر !

تَصِلُ إلى وجهتِها بتثاقُل ٍ ، تحاولُ مرة ً تلو مرة ٍ أن تُشعِلَ الموقِد دون فائدة ! تِلْكَ الشرارةُ اللازمة ُ ليبدأ النور ، غائبة ٌ عن رأسِه ِكما هي غائبة ٌ عن رأسِهَا !

تجولُ بنظرِها المرهق على الخيارات البديلة ! تُحِسُّ باليأس عندما تُدرِكُ أن الكهرباء موجودة و بإمكانها تحضير ُ الكمية الكافية من الماء المغلي دون موقد ! غريبون نحنُ البشر ! و غريبٌ جداً كيف نستطيعُ أن نَجعَلَ من أصغرِ خيباتِنا مؤشراً على نهاية العالم !

تَمالَكتْ نفسها ، حضَّرتْ ماءَها المغلي ، تصارَعَتْ مع عبوة ( النسكافيه ) مراراً و تكراراً دون أن تستطيع فَتْحَها ، فَصَرَعَتْها أرضاً رُغمَ معرِفَتِها أنها ستعودُ لالتقاطِها ! تناوَلتْ أخرى و هي على قناعةٍ بأن العالم انتهى للمرة الثانية في ظرف دقيقتين من الوقت !

عادَتْ بسلاسلها الخفيةِ و كوبٍ مُثقَلٍ بمحاولات صُنعِه إلى حيث تُحِبُ ، كانت زاوية ُ غرفةِ الجلوس تمنحُها الإحساسَ بالراحة ! هل كان إحساسُها هذا نابعاً من مكانِها كحجرِ زاوية ؟! أم أنَّهُ الأمانُ الذي نتلقاه عندما نُحيط ُ أنفسنا بكُتَلٍ إسمنتية ٍ من ثلاث ِ اتجاهات فنأمنُ غدرَ الطعنات إلا من الأمام ؟ لا أحد يعلمُ حتى هي ! رُبما كانتِ الجدرانُ التي تحتَضِنُها بشغفٍ تعلم ! لكنها لن تبوح َ بسرِّها ..

جَلَسَتْ على كُرسِيها بتباطئ ، و رفعت قَدَمَيْها عن الأرض ، وَضَعت كوبها الثمين على الطاولةِ بجانِبها ، حَضَنَت قدميها بإحدى يديها ، و استندتْ برأسِها إلى رُكبتيها ، عادَت لتتناول َ الكوب  الدافئ بيدها الأخرى لِتَجعَلَهُ على مسافةٍ مناسبة ٍ من فمِها ، و راحتْ تنفخُ فيهِ بهدوءٍ دونَ أن تشرَبه !

Shop SHEIN.com For The Latest Fashion Trends!

هي لا تُفَكِّرُ بشيء !

حبيبُها ؟ هي لا تريد ُ الحديثَ إليهِ اليوم !

أسْرَتُها ؟ هي ليستْ ضمن قائمةِ الاهتماماتِ في هذه اللحظة !

عَمَلُها ؟ هو ليس بالشيء المسلي لتُفَكِّر به الآن !

مدفوعاتُها و ما يحتاجُهُ المنزل ؟ هي ليست في المزاجِ المناسبِ للغضب !

أي شيءٍ آخر ؟ لا شيءَ يستحقُ أن يكونَ موضوعاً للتفكيرِ فيه ِ حتى !

بماذا تُفَكِّرُ إذاً ؟!! لا أحدَ يعلمُ هذه المرة حتى الجُدرانُ التي تحتضِنُها ! هيَ مُجَرَّدُ حالةٍ من السكونِ في اللاشيء ! حيثَ يتوقفُ الدماغُ عن العمل بعد أن يُعطي أمراً للشفاه ِ المكتنزةِ بالنفخِ بتواترٍ على كوبٍ يكادُ ينطُق ( أقسم باللهِ قد أصبحتُ بارداً ! )

ضَجَّة ٌ من الخارج ِ لا تُغرِيها لتتبين سبَبَها لكنها تَقْطَعُ حالة َ السكون ! تَضَعُ كوبَها الذي يتنفس الصعداء أخيراً على الطاولة دون أن تقبله ولو قبلة ً واحدة ! تتناولُ هاتفها في مُحاولةٍ لِكسْر جمودِ هذا اليوم ، و تُشغِّلُ المذياع .. فيروز : ( شو هالأيام اللي وصلنالا .. ) فتُطلِقُ تنهيدة ً داخلَ رأسِها و تُغَيّرُ المحطة .. فيروز ثانية ً : ( عودك رنان رنة عودك إلي ..) فتجولُ كلماتٌ في خاطِرِها : هو ليس عازفاً و اسمُه ليس علي ! تُغَيّرُ المحطة .. فيروز مرة ثالثة ً : ( أعطِني الناي و غني .. ) تفتحُ شفتيها لبعضِ الهواء هذه المرة و تتنهدُ عاتبةً على فيروز ! تُسكِتُها باحترام ٍ لا تُعاملُ به هاتِفها عندما تُلقيهِ على الطاولة ! تتناول كوبها مرةً جديدةَ ، و ها إن العالم قد انتهى للمرة الثالثة في ربع ساعة !

عيناها غائمتان ! لكن لا طاقة َ لهُما للمطر ! يبدو الكوبُ في يدِها مادةً جيدةً للتأمل ! تُحَرِّكُهُ في مجال ِ حركةِ رسغِها ، ( لماذا يصنعونَ الأكوابَ اسطوانية ؟! ) تسألُ نفسها !! ( ثُمَّ ألم يَكُن الكوبُ الخمري أجملَ من هذا ؟ لماذا اشتريتُ الأبيض ؟! يَجِبُ عليَّ أن أبَدِّله ، لكن هل سيرضى البائع بعد أن استعملتُه ؟ يجِبُ أن أضَعَ خُطة مناسبةٍ لإقناعِه ! ) و يَمُرُّ بعضُ الوقت في تجهيزِ الخطةِ التي لن تكتمل ! و ها إن العالم َ قد انتهى للمرة الرابعة !

إن أصعب َ لحظاتِ التأمل ، تلك التي نخلو فيها إلى أحلامِنا و خيالاتِنا و واقِعنا ، فَنَزُورُها كما لو أننا نزورُ متحفاً ! نُشاهِدُها خَلْف عازلٍ من الصمت ! نراها واضحةً أمامنا لكننا عاجزون عن لمسِها ! عاجزون عن التدخل فيها و التداخُلِ معها ! عاجزون حتى عن تغييرِ أماكنِ تموضُعِها في مَعْرضِ الوجدان ! هذه الزيارات ليستْ للذكرى ! إنما هيَ للنسيان !

تَرَكَتْ كوبَها الذي لم ينقُص منهُ قبلة واحدة على الطاولة ! حَضَنَت قدميها بكِلتا يديها ، و أمعنتْ في إسنادِ رأسِها إلى رُكبتيها ! الآن َ حانَت لحظةُ الحقيقة ! هيَ تجلِسُ حرفياً في عينِ العاصفة ! تلك العاصفة ُ من الأفكارِ التي تدفَعُنا إلى أرضِ اللا شيء ! ليس لأننا عاجِزون ! بل فقط لأنها هوجاء ! تَهُبُّ علينا في جميعِ الاتجاهات ، ولا تَكُفُّ عن العَبَثِ باختِلاجاتِنا حتى تَدفَعنا إلى مُنْتَصفِها ! هناكَ نقفُ ثابتين و نشاهدُ رقْصَتَها الغجرية من حولِنا !

حبيبُها ؟ هي َ غيرُ واثقةٍ إذا كان َ مُخطئاً في حقِّها أم هيَ المُخطِئة ! أُسرَتُها ؟ البارحة َ خاضَتْ معهم آخرَ اشتباكٍ مسلحٍ بالكلمات ! عملُها ؟ هي لا تَكُف تعملُ باجتهادٍ حتى مع جنيها للخيبات ! مدفوعاتُها ؟ و هلْ يملأُ النهرُ بحراً ؟! أيُّ شيءٍ آخر ؟ كلُّ شيءٍ آخر يبدو باهتاً في هذه اللحظات !

هَطَلتْ إحدى الغيمتين دون بَرْقٍ أو رعد ! و تَرَكتِ الدمعة َ تسيلُ على مرمرِ وجهها دون َ أن تتدخلَ زنابِقُها ! لماذا تبكي ؟! هي لا تعلمُ بالتحديد ِ على أي أمرٍ سالتْ تلكَ القطرةُ من العسلْ ، لرُبما كانت شهداً لكل تلك الأمور مجتمعة !

بَقِيَتْ في مكانها تنتَظِرُ ابتسامة ً غادرة ً تتسللُ خلفَ أسوارِ كل هذا الحزن ! فهيَ تعلمُ أنها آتية ٌ لا محالة ، قد تأتي من ذكرى بينها و بين من تُحِب ، تكسرُ عازل الصمت وتتفشى على شفتيها ! وقد تأتي من أي تفصيلٍ آخر ! كنملةٍ ضلَّت طريقَها على الحائط وهي لا تنفكُّ تُسْقِط ُ كسرَة الخبز التي تحمِلُها !

هذا هو اليوم ! هوَ يومٌ من تلكَ الأيام ِ التي تبدأ ُ فقط لتنتهي !

و هذه هي الحياة ! تَسْمَحُ لنا ببعضِ اليأس فقط لِتُثْبِتَ وجودَ الأمل !

وهذا التناقُضُ الجميل ، نُكرِرُه حتى نحنُ البشر في يومياتِنا ! فكمْ من مرةٍ نذهبُ فيها مختارين إلى الوحدة ، مع أننا نعلمُ عِلمَ اليقين ِ بأننا لسنا لوحدِنا !

مع هذا الخاطرِ تحديداً .. ابتسمتْ أخيراَ !

مقالات أخرى للكاتب:

حصري