أخباراخبارالحياة في كندا

وزير الهجرة الكندي أحمد حسين…هذه قصتي مع العنصرية في كندا

جريدة المهاجر the migrant

جريدة المهاجر ـ كندا : كان عمري 15 عاماً عندما كانت الصومال تمر بحرب أهلية، كانت هناك فوضى وعنف في كل مكان، أنا ووالدَي قررنا أنه ليس لدينا خيار سوى الهرب، جمعنا بعض متعلقاتنا، وذهبنا على ظهر شاحنة كبيرة مع عدد قليل من الأسر الأخرى التي تركت الصومال بلا عودة.

بعد رحلة طويلة جداً هبطت لوحدي في كندا في سن 16 كلاجئ ، لأجد بعد ذلك بأنني حللت بأراضي السكان الأصليين كنت أشعر حينها بمشاعر متضاربة، فمن جهة شعرت بأنني قلق، هل سأقبل في هذا البلد الجديد؟ هل سأنجح؟ ولكن من ناحية أخرى كنت متحمسا لأن لدي الفرصة لبدء حياتي من جديد ولتكوين صداقات جديدة، على أي حال كنت ما أزال في السادسة عشر.
وفي اليوم التالي تماماً، ومما لم أكن ولا أزال لم أعتد عليه هو شتاء كندا البارد، وقتها كان الكنديون وفي ذلك العام يواجهون أبرد شتاء كندي منذ وقت طويل جداً، في ذلك اليوم حاولت إرسال رسالة إلى والدتي وقد قال لي أحدهم بأن اذهب إلى صندوق البريد، لم أكن قد رأيت قط علبة بريد في حياتي وكنت أواجه صعوبة في وضع تلك الرسالة هناك وذلك خلال العاصفة الثلجية، توجهت إلي امرأة كندية شابة تاركة طفلها في عربة الأطفال وساعدتني على القيام بذلك، كانت تلك أول تجربة لي مع الكرم الكندي الحقيقي.
بعد عدة أيام ذهبت إلى محل غسل الملابس، ولم أكن قد رأيت آلة الغسيل من قبل، سألت الناس كيف استطيع تشغيل هذا الشيء؟ وقال لي بعضهم: أنت بحاجة إلى (لوني) دولار كندي معدني (والكلمة شبيه بكلمة تعني شخص مجنون).

فقلقت وفكرت ما هو (اللوني) هل هو شخص مجنون!! ساضطر لجلب شخص مجنون إلى هنا، وكنت على وشك المغادرة عندما تقدم مني كندي آخر وساعدني للقيام بدورة الغسيل، للأسف أنه لم يبقى طويلاً بما يكفي لمساعدتي في معرفة استعمال مجففة الملابس، لذلك انتهى بي الأمر إلى العودة إلى شقتي مع كومة من الملابس المبلّلة، ولكن بغض النظر كنت سعيد جدا أن شخصا ما تواصل معي في وقت حاجتي للمساعدة !! وتكاتفنا أنا وزملائي واشتروا لي سترة شتوية .

على مدى سنوات كنت أشقّ خلالها طريقي في التعليم في المدرسة الثانوية اعتمدت على المساعدة الاجتماعية والإسكان الاجتماعي وعندما ذهبت إلى الجامعة كنت اسافر لمدة ساعتين لكل من طريقي الذهاب والإياب إلى محطة البنزين حيث عملي ذو الحد الأدنى للأجور ستة دولارات و 85 سنتا، ولكني استخدمت السكن الاجتماعي أيضا لأستطيع تحصيل دراستي الجامعية، وبفضل الكرم والدعم من الكنديين، والخدمات الاجتماعية، ومن خلال عملي الشاق جداً، أنا الآن قادرة على الوقوف أمامكم كعضو في البرلمان لـمقاطعة (York South-Weston)، وبشكل لا يصدق أكثر كوزير الهجرة واللاجئين والمواطنة الكندية، وشكرا لكم!

الجزء الثاني من رحلتي وهي رحلة قد لا تكون مألوفة للكثيرين منكم، إنها رحلة بلد هو بشكل لا يصدق سخي ومضياف ومتنوع، ولكن لا تزال تواجه تحديات في التصدي للعنصرية المنهجية والاندماج الغير الحقيقي. وفي الوقت الذي عشت فيه في “ريجنت بارك” أقدم وأكبر حي سكن اجتماعي في كندا.

في الكثير من الايام، وكثير من الأمسيات التي قد أذهب فيها للمشي، وأثناء معظم هذه الأوقات، كانت سيارة الشرطة تقف محدثة صوتا مدويا مباشرة أمامي، ليخرج رجل الشرطة مؤرجحاً بابه بطريقة دراماتيكية، ويهاجمني راكضاً، بنفس الطريقة في كل مرة وليسألني إلى أين أنت ذاهب؟ ماذا تفعل؟ ماذا لديك في جيوبك؟ أرني هويتك، وعندما تحدثت إلى عدد من أصدقائي، أولئك الذين لديهم نفس لون بشرتي، أكدوا لي أنهم تعرضوا بالفعل وبانتظام لمثل هذا التصنيف العنصري وطلب منهم إظهار الهوية الشخصية، وفي كل مرة يحدث هذا معي، يكون أكثر إهانة لي من المرة الأولى التي حدث فيها، لأن جيرانك ينظرون إليك، والغرباء يمرون بسياراتهم ومن خلال نوافذ سياراتهم يتساءلون ماذا فعل هذا الرجل لكي يستحق أن يكون محتجزا على جانب الطريق؟؟ ولكني لم أفعل أي شيء!! لقد تم توقيفي فقط بسبب لون بشرتي.

بعد بضع سنوات وكنت قد عملت بجد وكنت محظوظاً بما فيه الكفاية ليتم تعييني كموظف سياسي، وكنا في حفل استقبال حيث كان الموظف السياسي الوحيد في الغرفة، ذو البشرة السوداء، وتقدم مني شخص كندي بارز وسألني: هل أنت فنان؟ لقد وجدت السؤال غريباً، لكنني كنت مهذبا بما فيه الكفاية لأجيب: (لا، أنا لست فناناً)، وابتسمت قائلاً: (أنا موظف سياسي)، لم يستطع تصديق ذلك فقال بابتسامة متكلفة: (كيف حصلت على هذا العمل؟)، فقلت: (حسناً، لقد عملت بجد، ذهبت إلى الجامعة وها أنا هنا)، فسأل مرة أخرى مع بابتسامة متكلفة أخرى، قائلاً: (لا!! حقاً كيف حصلت على هذا العمل؟)، وأجبته مرة أخرى بطريقة مهذبة جداً: (عملت بجد، وذهبت إلى المدرسة، وتقدمت بطلب لهذه الوظيفة)، فابتعد وهو يهز رأسه، ولم يسأل هذا السؤال لأي موظف سياسي آخر في الغرفة.

وبعد بضع سنوات أصبحت محامياً وكنت أمثل موكلاً في المحكمة العليا في أونتاريو، وكتبت اسم موكلي واسمي ليتم استدعائي في الوقت المناسب من قبل موظف المحكمة، وبعد بضع ساعات من عدم استدعائي وخلال استراحة المحاكمة، سألت الموظفة: (لماذا لم يتم استدعائي ؟)، فنظرت إلى الاسمين وقالت: (أوه، آسفة ولكننا اعتقدنا أنك أحد المتهمين)، المتهمين وهم الأفراد الوحيدين مثلي من ذوي البشرة السوداء في قاعة المحكمة.

عندما تحدث مثل هذه الحوادث… تخيل أنك تمشي في الشارع، ويقوم أحد والدي طفل بجذبه أقرب إليه لأنك تمر بجوارهم، أو أن يتم ملاحقتك في محل بقالة بسبب لون بشرتك.

وتخيل أنه بسبب لون بشرتك يتم باستمرار توقيفك من قبل الشرطة، هذه الحوادث منهكة، إنها تثبطك وتجعلك تشعر وكأنك غير منتمي، وعلى الرغم من أنني اعتدت على الكثير منها إلا أن هذا لم يكن صواباً و ليس صواباً! لذا، فإن الأمر يتعلق بالحديث عن الهويات، الحديث عن العنصرية والامتياز، ولنعيش تجربة ذو البشرة السوداء في كندا، وتجارب الناس الملونين، فالمعاناة الذي يواجهونها كل يوم مع الاعتداءات الصغيرة هي حقيقة ، والإحباط الذي يمرون به أحياناً هو حقيقة، وشعورك بأن بعض البنى حولك والأنظمة تعمل ضدك هو حقيقي، فكيف يمكنك التوفيق بين هذا البلد المدهش، الكريم والمضيف والمتنوع مع هذه الوقائع التي يواجهها البعض من مواطنينا.

أستطيع الذهاب إلى مبنى البرلمان اليوم رافعاً رأسي عالياً واعمل بسلاسة بين وزملائي وأصافح قادة العالم، ولكن حتى يومنا هذا لا ازال قلقاً أن يتم إيقافي من قبل الشرطة. ولكنني اخترت أن أفكر فيما هو الأفضل في كندا وعملت بجد في “ريجنت بارك” لنكون معاً، مستخدماً جمال النظام لتنظيم وبذل الجهد، والعمل مع جيراني للوصول إلى تمويل مقداره خمسمئة مليون دولار فكنا قادرين على إنعاش ليس فقط المباني ولكن المجتمع المحلي، بيوتنا، و”ريجنت بارك” واليوم، لدي أصدقاء محامين ينتقلون إلى “ريجنت بارك” ويقومون بشراء وحدات سكنية خاصة.

تجربة الكرم وكذلك التجارب المنهكة الأخرى كلاهما على حد سواء حقيقية، و يجب علينا كدولة أن نتذكر أنه على الرغم من أننا ما زلنا كرماء ونرحب بالآخر، فلا يزال أمامنا طريق طويل لنقطعه في طريقة تعاملنا مع الأقليات الظاهرة والتحدي الذي يواجهنا مع العنصرية المنهجية. هل تعلم أن في كندا 9.5 في المائة من السجناء الفيدراليين من السود على الرغم من أن الكنديين السود لا يشكلون سوى 3 في المائة من عدد السكان، هل تعلم أن عدد السجناء السود في السجون الاتحادية ارتفع بنسبة 80 في المائة بين عامي 2003 و 2013؟ ثمانون في المئة!!

أمعن التفكير في ذلك، هل تعلم أن الكنديين من ذوي البشرة السوداء، من المرجح أن يجدوا أنفسهم في بيوت الدخل المحدود بنسبة أكثر من ثلاثة أضعاف من الكنديين الأوروبيين ؟ ما الذي تخبرنا به هذه الإحصاءات، إنها تخبرنا بإننا لسنا البلد المثالي، وأنه لدينا مشاكل، ولكن هل يعني ذلك أن كندا ليست عظيمة؟ لا، أعتقد أن كندا عظيمة لأننا نريد أن نقوم بالأفضل، ونحن لا نؤمن بإخفاء عيوبنا، وهذا هو السبب في أننا يجب أن يكون لدينا نقاشات حول موضوع التمييز على اساس الهوية العرقية، علينا أن نقر بأن التمييز العنصري والنقص في الاندماج موجودين، علينا أن نقر بأن الامتياز هو حقيقة، علينا أن نقر أنه ليس كل واحد منا لديه نفس الفرص ونفس الدعم الاجتماعي، هذه المحادثات صعبة، غير مريحة، ولكن نحن بحاجة إلى هذه المحادثات لأننا بدونها، كما لو أننا نقول إننا غير مرئيين، وهذا ما يعنيه عندما تسمع صرخة الناس الذين يقولون حياة ذوي البشرة السوداء مهمة، وكذلك عندما تدرس كندا وتدرس ما يعنيه أن تكون بلداً عظيماً.

أتحداك أن تعيد التقييم، لما تعنيه العظمة، لقد قرأنا وعرفنا العظمة بطريقة خاطئة، يجب أن نحدد العظمة وننظر في حياتك الشخصية والمهنية، وأنظر إلى القادة الذين تراهم، هل تعتبر أي زعيم عظيماً عندما هو أو هي يتصرف بغطرسة معلنين عن عظمتهم للجميع لتسمع، أم أنك تعتبر أن أي زعيم عظيماً إذا كان يعترف أو تعترف بعيوبه أو عيوبها، والذي يستمع باهتمام، ويحفز الناس على العمل.

أنا أتحدى كل واحد منكم، والكثير من الناس يأتون لي ويقولون أننا لا يمكن إصلاح المعتقدات وأنا شخص واحد فقط، انها عرقلة وهي كبيرة ولكن يمكننا جميعا التحقق من التحيز اللاوعي لدينا، مثل أحد الوالدين الذي يجذب طفله إليه عندما يمر رجل أسود بجواره. وأنا أتحدى كل واحد منكم إلى أنك بالإضافة لتفحص نقاط قوتك ألق نظرة على نقاط ضعفك، وأنا أعلم أن ذلك صعب لأنه يضعك في حالة ضعف، ولكن كن في حالة ضعف لأنه من خلال هذا الضعف سوف تكون قادراً على أن تتطور من داخلك وأن تمضي قدماً.

أن تكون ضعيفاً كدولة فهو قوة على الصعيد الدولي لأنه عندما تصبح البلدان ضعيفة وتكشف عن عيوبها للمشاكل الدولية مثل تغير المناخ أو نهجنا تجاه إخواننا وأخواتنا المنتمين للشعوب الأصليين، وعندها فقط يمكننا العمل معا لتصحيح تلك العيوب وهذه ليست فقط فكرة عن العظمة الوطنية، أنها فكرة عن النجاح الفردي، وسوف أكرر نفسي كن ضعيفاً، كن ضعيفاً، كن ضعيفاً، لأنه من خلال هذا الضعف ستكون قادراً على التطوير والبناء من داخلك، تبني نفسك تبني عائلتك، مجتمعك ونعم بلدك كندا. اسمي أحمد حسين، أنا أسود، أنا مسلم، أنا لاجئ ، أنا كندي وأنا فخور بذلك. 
المصدر : tedxtoronto 
ترجمة : ساتاناي باريسباي

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً