Rima Alzelaaحصري

هل المثاليّة تفكير إيجابيّ أم سلبيّ ؟

OLYMPUS DIGITAL CAMERA
جريدة المهاجر the migrant

جريدة المهاجرـ ريما الزيلع : يتّخذ بعض الناس المثاليةَ منهجيّةً في التّفكير والسّلوك، لذلك فإنّهم يضعون قوانين صارمةً على خياراتهم و سلوكياتهم في الحياة، فيُرهقون أجسادهم و يستهلكون أوقاتهم، بل ويُكرِهون أرواحهم على أشياء لا يريدونها من أجل الحفاظ على تلك الصّورة المثاليّة التي يرغبون بالظّهور فيها أمام الآخرين، بالصّورة المثاليّة التي يرون أنّه يجب أن يكون عليها كلُّ شيء.

 يبحث الشخص أحياناً عن قيمته في المثاليّة:

بإسم المثاليّة يجامل على حساب وقته وصحته وراحته..

بإسم المثاليّة يتجاهل أحاسيسه ومشاعره و يلبس القناع الذي يرضي الآخرين

بإسم المثاليّة يوبّخ أطفاله إذا أخطؤوا بشيء ويعاقبهم إذا شعر أن تصرّفهم قد يهزّ صورته أمام الآخرين

بإسم المثاليّة يتظاهر بما ليس حقيقياً فيه.. و يا له من استنزاف و أيّما استنزاف.

 حقيقة المثاليّة أنها التعلّق برأي الآخر، هل هو راضٍ عني؟، ما نظرته لي؟ ما تقييمه لي، لمنزلي، لحياتي، لأولادي، لعلاقاتي؟.. سواء تعلّقَ الأمر بنا أو بأفراد عائلاتنا عموماً فهذا مسعى البعض من الناس و قد يدخلون بسببه في حالة من الوسوسة والقلق والإرهاق، ويفقدون متعة العيش في اللحظة بسبب الحرص على صورتهم أمام الآخرين.

 ربّما يكون مفيداً لو وضّحنا أمراً : قد يكون المرء مثاليّاً بالنسبة لشخص وغير مثالي بالنسبة لشخص آخر، ومن هنا فالمثاليّة “وهْمٌ” ومهما بذلنا من جهد فلن نصل إليها لأن غايتها إثبات هويّة معيّنة أمام الآخرين والسعي لإرضائهم، في الوقت الذي تقول الحقيقة أن إرضاء الآخرين غايةٌ لا تُدرك.

ذكر الدكتور أحمد عمارة أخصائي الصحة النفسيّة بالطاقة الحيوية أن المثاليّة قد تصل بالمرء إلى درجة أنه يفكّر بهذه الطريقة “إمّا كلّ شيء أو لا شيء” ممّا يقف حائلاً بينه وبين نجاحاته في الحياة، فهو يريد أن يكون كلّ شيء مثاليًا ولن تقنعه أبداً “فكرة ابدأ بالميسور المتوفّر لديك “.

 نحن بشر ولكلّ واحد منّا سعته وقدرته في الحياة و من الطبيعي أن ندرك سعة أنفسنا وقدرتها، فلا نقسو عليها و لا نحمّلها فوق طاقتها بل نرحم إمكانياتِها ونقدّر قوّتها وضعفها معاً، فإذا لم نكن رحيمين بأنفسنا وكذلك لطيفين بها فلن يرحمنا ولن يلطف بنا الآخرون.

لقد خُلق الإنسان للإنسجام والرضا عن نفسه ولم يخلق للمثاليّة، وعليه فيمكن أن أكون أكثر رفقاً بنفسي، أبذل ما أقدر عليه في نقطة معينة لكن دون أن أقلق بشأن رأي وتقييم الآخرين. أقبل بطلب المساعدة حين أحتاجها فالشخص المثالي في الغالب يفضّل القيام بكلّ شيء بنفسه لا يتوقّع أن أحداً يمكن أن يفعل ذلك الشيء بشكل جيد كما يفعله هو، فيرهق نفسه في متابعة كلّ التفاصيل بينما لو استعان بأحد لخفّف عنه العبء وسمح لجسده بالراحة، ولروحه بالاستمتاع بالوقت..

يمكن أن أركّز على أن أكون راضياً، مرتاحاً، سعيداً فيما أفعل قبل أن أهتمّ أبإرضاء الآخرين، ومهما كانت النتائج فهذه قدرتي واستطاعتي، وإذا كان الله لا يكلّف نفساً إلا وسعها فلماذا عليّ إذاً السعي وراء المثاليّة التي تستنزف طاقتي، جهدي، ووقتي إنّها تمنعني من الاتصال بذاتي لأنّي منشغل بنظرة الآخر عنّي، إنّها تقف حاجزاً أمام سعادتي و راحتي لأن كثرة الضوابط والقوانين تضيّق مساحة الحرية أمام الروح التي خلقها الله لتحيا سعيدةً حرّة..

قد يورث الشخص المثالي لأبنائه تلك الصفة عن طيب نيّة، ظنّاً بأنها ستنفعه في الحياة، ومن هذا المنظور فقد ينتقد أبناءه باستمرار ويقارنهم بالآخرين، لكن الطفل الذي يتعرض للانتقاد المستمر من أهله والمقارنة بينه وبين أترابه وأخوانه فإنما تصله رسالةً بأنه ليس جيداً بما يكفي، ليس مقبولاً عندهم بالشكل الكافي، ممّا يجعله يقسو على نفسه ويضغط على أعصابه كي يكون جيداً في نظرهم سواء في التحصيل المدرسيّ أو في أي شيء آخر . لكنّ الأمر في غاية الخطورة فقد يقرّر التفلُّت والانعتاق من كلّ هذا الضّغط الذي هو فيه طالما أنه مهما فعل لن يحظَ برضا أهله وقبولهم له ولإمكانياته.. و ربّما يتّخذ طريقاً أسهل وهو طريق الكسل واللامبالاة كردّة فعل على المثاليّة التي ضاقت بها روحه..

 من هذا المستوى من الوعي بالمثالية فإنّ حياة المثالية أقرب للزّيف وحياة الزّيف معقّدة، مرهِقة، ومزدحمة بالأشخاص والأحداث ، والتركيز فيها على نظرة الآخر وتقييمه لي؟ بينما نجد حياة الحقيقة سهلةً، بسيطة، مريحة، والتّركيز فيها على اللّطف بالذات و رحمتها وتجنُّب ما يُتعبها من الأشخاص والمواقف والانفعالات وكذلك العلاقات. فطالما أني بذلتُ ما أقدر عليه في هذا الجانب أو ذاك فليس عندي إلزامٌ لنفسي أو تعلّقٌ بتقييم الآخر الذي يجب أن يكون عشرة / عشرة إن صحّ التعبير .

 إذا كان لابدّ من المثالية فلماذا لا تكون في العلاقة مع الذات، في اختيار اللطف بها، و احترام مواطن قوّتها وضعفها، و تقدير سعة وقدرة كل إنسان، و تقبّل الخطأ والصح فينا وفي غيرنا لأنّ كلّ ابن آدم خطّاء.

ولا يُفهَم من الكلام أنّني سأرضى بالنّقص، بل إنّي أختار أن أكون نموذجاً جميلاً في أي شيء أريده بدلاً من أن أكون نموذجاً مثالياً، فالكمال لله وحده  الذي “ليس كمثله شيء”. وكما قلنا فإنّ الإنسان لم يُخلق للمثالية والقلق بشأن تقييم وانتقاد الآخرين بل خُلق للحقيقة والنور ، للانسجام مع الذات و الاستمتاع برحلة الحياة.

من شرفة محبّة وتقدير الذات  

ألقيتُ عليكم السلام

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً