Rima Alzelaaحصري

هل أعيشُ الحياةَ ، أم أعيش على قيدِ الحياة ؟

OLYMPUS DIGITAL CAMERA
جريدة المهاجر the migrant

جريدة المهاجرـ ريما الزيلع : كثيرا ما نحدّث أنفسنا والآخرين بأنّ حياتَنا عادية، رتيبة، مملّة.. ولكن بعد أن يمرّ الزّمان و تتغيّر الظروف نعود لتلك الأيام ونُخرج من وسط الرتابة والاعتيادية التي كنّا نراها فيها، نُخرج ذكرياتٍ جميلةً نتذكّرها بحبٍّ واستمتاع، وربّما نُتعب قلوبَنا بالحسرة على فقدانها.

في ذلك الوقت لم نكن ننتبه لجمالها، كانت نعمةً لكنّنا لم ندرك قيمتها إلا بعد مرور الأيام وتبدّل الظروف والأحوال، حتى صار لسان حالنا يقول الآن: “سقى الله هاتيك الأيام” .يعني ذلك أنّ الحياة الماضية التي لم تكن تعجبنا، لم تكن تخلو من تفاصيلَ جميلةٍ ومن أشخاص جميلين لكن لم نكن نرى كلّ ذلك لأننا لم نكن نركّز عليه، والآن حين وجّهنا الضوء على تلك التفاصيل أدركنا قيمتها وجمالها .

 إنّنا نعيش خارج اللحظة غالباً، نعوم على سطح الحياة، تشغلنا المظاهر الخارجية فقط ممّا لا يفسح المجال للغوص في حقيقة وعمق الحياة، فتفوتنا لحظاتُ كثيرةُ من الحبّ والعشق والفرح والجمال.

ربما يكون ذلك درساً لنا نتعلّم منه أن نعيش الحياة بحضور كامل، أن ننتبه لكلّ التفاصيل، لكلّ الأشخاص،لكلّ الأشياء.. فنكونُ كما يجب أن نكون “هنا والآن” لأنّ في عيش اللحظة جوهر ومتعة الحياة، ومتى وعينا لذلك استطعنا أن نعيشَ الحياة، و أن نستمتعَ بالشكل الصحيح.

نجد أنفسنا منفصلين عن الحاضر منغمسين إما في الماضي الذي مضى، أو في المستقبل الذي لم يأتِ بعد، ولا نعلم أنّ السبب في الألم هو العيش في الماضي، وأن السبب في الخوف هو التفكير الدائم بالمستقبل، في الوقت الذي لا نملك فيه الماضي ولا نملك المستقبل كلّ ما نملكُه هو هذه اللحظة هذه الآن. 

قد لانستطيع تماماً تجاوز الماضي، وقد لا نستطيع التوقف عن التفكير والتخوّف من المستقبل، لكن يمكن أن نكون واعين بأن الماضي مجرد صندوق لكلّ التجارب والخبرات وليس صندوقاً للألم والحسرة أو التأنيب واللوم، وكذلك المستقبل ليس صندوقاً للمخاوف والتفكير والقلق إنّه سعيٌ لكن بتوكّل وتسليم، بفرحٍ وأملٍ وتفاؤل:إنّي سعيتُ وبذلتُ الأسباب وكلّ ما يحدث بعد ذلك فهو خير، أمري كلُّه خير”.

كلّما عشنا لحظتنا الحاليّة ودّعنا الأحزان والآلام والمخاوف، ولا نظنّ أن الّلحظة الحاليّة يجب أن تكون في مطعم فاخر أو مقعد على مسرح مرموق أو في فندق عظيم.. قد تكون لحظتنا الحالية على بلكونة برفقة جار أو صديق، بمشاهدة فيلم مع العائلة، قد تكون في الاستماع لأغنيتنا المفضَّلة، بسقاية وردة، بقبلة على خدّ طفل، بإغفاءة لذيذة إلى جانب ابنة، بقالب حلوى أعدّهُ بحبّ لعائلتي، بزيارة للشاطىء، بتأمُّل الجمال في كلّ مكان بالحضور عند شروق الشمس وغروبها، في كلّ ما نقوم به خلال اليوم.. و ما أكثرها تلك التفاصيل الرقيقة حين نكون حاضرين لها مدركين لجمالها ولقيمتها، خصوصاً تلك التفاصيل التي تتعلّق بالأشخاص -فالله أعلم-  اليوم هم هنا و غداً لا ندري أين نكون وأين يكونون، هم حولَنا اليوم وربّما غداً لا..

في كلّ لحظة يسحبك الماضي للتفكير به قل لهذه الفكرة شكراً أنا لا أريدك أنا أحرّرك لأني أريد فقط أن أكون هنا والآن، ستجد أنك تحوّل تفكيرك بالفعل إلى اللحظة الحالية وتبدأ بالاستمتاع بها مهما كانت بسيطة. وعندها فإنك تصبح إنساناً حيّاً يعيش الحياة ولستَ إنساناً على قيد الحياة. 

في تصرفات الأطفال وتعبيرهم عن مشاعرهم أجمل مَثل نضربه عن عيش اللحظة، راقبهم وانظر كيف يعيشون اللحظة بكليّتها.. إنْ خلدوا للنوم ناموا بعمق، وإنْ جلسوا للّعب لعبوا حتى الثّمالة، وإنْ مرّت فراشةٌ ركضوا وراءها، وإنْ ضحكوا سمع الجيران ضحكاتِهم، حتى إذا بكَوا كان بكاؤهم تعبيراً عن عيشهم للّحظة لأنّهم دائما هنا والآن يفيضون بالحبّ والحياة .. إنّهم مفطورون على ذلك ونحن أيضاً كنّا مثلهم ثم بدأنا نفقد هذا الإحساس بجمال اللحظة، ولم نعد أبداً نعيش قوّتها، بل نعيش بين ماض ٍ ولّى وغاب و مستقبل بعيد لم يأتِ بعد. 

يقول الكاتب ايكهارت تول: (في حين أنك كنت تسكن قبلاً في الزمن وكنت تقوم بزيارات قصيرة ل”الآن” فعليك أن تجعل مكان سكنك في “الآن” وأن تقوم بزيارات قصيرة للماضي والمستقبل عندما يتطلّب الأمر التعامل مع المظاهر العملية لوضع حياتك. قل “نعم” على الدوام للّحظة الحاضرة).

أخيراً: (أنا حيّ) تعني (أناهنا والآن)، تعني أنّي مستمتع بكلّ اللحظات، أني أثق بفطرتي وبقوتي الداخلية، وتعني أني أخلق تحوّلاً داخلياً عميقاً ينعكس انعكاساً جميلاً على حياتي كما يعكس القمرُ نورَ الشمس.

دمتم بخير واستمتاع وسلام.

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً