الإثنين, مايو 21, 2018
Mohamed Jisriمقالات

ما هي الوظائف التي سنفقدها في المستقبل ؟

محمود جسري

منذ آلاف السنين كان أغلب البشر يعيشون من مصادر الصيد و جمع النباتات و الفواكة ثم بدأت

الثورة الزراعية الأولى بتجمعات قليلة وتدريجيا بدأت بالانتشاروالتوزع حتى وصلت لنسبة

عالية من سكان الكرة الأرضة تقدر بحوالي 90%  في حدود القرن الثامن عشر وذلك لما

توفره الزراعة من ميزات للناس لم تكن تساعد عليها مرحلة الصيد .

أتى القرن التاسع عشر مصاحبا للثورة الصناعية التي أيضا بدأت بنخب قليلة هنا وهناك

و بدأت الآلات تحلّ محل العمل اليدوي و فقد الكثير من المزارعين عملهم و بدأت الدول الصناعية

في تلك المرحلة بالسيطرة والتهام الدول الزراعية التي لم تلحق بالركب الصناعي و أصبحت

إلى حد ما متخلفة علميا وصناعيا فابتلعت أوروبا معظم أفريقيا و الشرق الأوسط و شبه القارة

الهندية وهيمنت اليابان على الصين وقد حصل كل ذلك في سنوات قليلة جدا (أقل من 200 سنة)

مقارنة بعمر المرحلة الزراعية التي استمرت آلاف السنين و بدأ سباق و محاولات للحاق بالركب

الصناعي و قد تعثرت بعض الدول بعض الشيء و لكنها لحقت به و تخلفت بعض الدول الأخرى في

ذلك فبقيت في عصر الزراعة و دول أخرى طغى عليها الاستبداد و الطمع لم تستطع حتى الحفاظ على الزراعة و أصبحت تعيش في عصور خاصة بها مغلقة حتى اليوم و تدور في فلك زعمائها المستبدين وعصاباتها فقط.

و من نتائج الثورة الصناعية و تطور العلوم ظهر الحاسب الآلي و الانترنت و هنا بدأت ثورة جديدة يدعوها البعض بالثورة الصناعية الثالثة (الثانية كانت عند التحول من الآلات البخارية إلى الطاقة الكهربائية).

ويمرالعالم حاليا بثورة جديدة و تحوّل لا يشعر به الكثير من الناس و يطلق عليه البعض

“الثورة الصناعية الرابعة” و لكن المصطلح الأفضل الذي أميل إليه هو “الثورة التقنية” و هي مرحلة

ظهور و تطور الذكاء الاصطناعي و تعليم الآلات والتحكم في الجينات و التقنيات الحيوية و البيانات

الضخمة و غيرها.

رافق كل مرحلة من المراحل أعلاه تغيّراً كبيراً في أشكال العمل و تعداد العمال المطلوبين

وكذلك تغيّراً في طبقات المجتمع . ففي المرحلة الزراعية كان هناك طبقة الإقطاعيين و النبلاء والأمراء 

وفي المقابل طبقة المزارعين و في بدايات المرحلة الصناعية كان هناك طبقة برجوازية من أرباب

العمل و أصحاب المصانع و التجار وفي المقابل طبقة العمال .

الحكمة أن نعتبر من التاريخ و نعلم أن الثورة التقنية التي بدأت فعلا ستغيرقريبا جدا من عالم

العمل و الوظائف و ربما تظهر طبقات جديدة مختلفة عما عهدناه سابقا و إن أطلقت لنفسي حرية التفكيروالتوقع – الذي قد يبدوا خياليا للبعض – فأستطيع القول إن ملايين البشر ستخسر وظائفها

و أعمالها و القليل هو من يستطيع الدخول في عالم العمل الجديد  .

وبالنسبة للطبقة الجديدة المستقبلية الموازية للإقطاعين و النبلاء أو الطبقة البرجوازية فقد تكون

من نخبة تم اختيار جينات معينة فيهم عند الولادة أو تم التعديل عليهم بعد الولادة مما يعطيهم

أعماراً أطول و أمراضاً أقل و ذكاء و قوة و ميزات أفضل من معظم عامة الناس و هذا الشيء سيغير

الكثير من المفاهيم الانسانية – الاجتماعية –  الليبرالية و ربما حتى الدينية و غيرها بطرق قد تكون

مخيفة أحيانا.

أما في المقابل فالطبقة الأكبر في المستقبل من الممكن أن تكون طبقة من الناس العاطلين

عن العمل و قد وصفهم أحد المؤرخين بطبقة الناس الغير مفيدة أو عديمة النفع(Useless Class)

أو من الممكن أن يكون نفعهم الرئيسي لبعض الشركات هو الاستهلاك.  و بعض المفكرين

وحتى الحكومات تخطط لما يسمى (Guaranteed minimum income) أو الراتب الأدنى لكل

شخص أو عائلة كنظام اجتماعي في المستقبل.

و من الأمثلة على التغييرات القادمة و التي غالبا سيشهدها الكثير ممن لم يتجاوز الخمسين عاما

من عمره التالي:

– المركبات ذاتية القيادة .

ـ “الدرونز” و الأجهزة الذكية والروبوتات وتفاعلها مع البشر بشكل يومي.

– الأنظمة الضخمة التي جمعت و تجمع المعلومات و البيانات الضخمة عن كل شيء بداية

من البشر إلى معلومات الطقس و البيئة و الحيونات و الحشرات و الطاقة وغيرها و تعالج هذه

المعلومات و تستنتج منها نتائج و مآلات قد لا يتنبه لها الفرد لوحده.

– الذكاء الصناعي الذي سيحلل جميع تلك البيانات .

– تطور في التقنيات الحيوية و التعامل مع الكائن الحي (ربما حتى الإنسان) كخوارزميات

و تطور علم الجينات و تعديلها.

و من الوظائف المعرضة للخطرفي المراحل الأولى على سبيل المثال لا الحصر:

السائق – وظائف المصانع القابلة للأتمتة – الكاشير – مساعد المحامي – بعض الوظائف الصيدلية

– الطيار- التدريس – الحراسة – وكلاء السفر.. و تطول القائمة التي قد تحوي الكثير من المفاجآت.

أما الوظائف التي سيكون عليها طلب فقد تكون الوظائف التقنية التي تعنى بتطوير و إصلاح

البرمجيات و المكائن و وضع الخوارزميات لها – الوظائف المهنية التي تحتاج مهارة بشرية عالية

و تفكير من الصعب وضع خوارزميات مباشرة له – التخصصات المخبرية و خاصة علوم الجينات –

الأعمال التي تصلح أن تكون على شبكة الأنترنت (أونلاين) إضافة لأي عمل إبداعي و فني.

الثورة التقنية قطعا تسارعها سيكون أعلى من الثورة الصناعية التي هي أصلا أخذت وقتا أقل

بكثير من تطور الزراعة. هذا التسارع الشديد سيكون من الصعب تكهن نتائجه و أتمنى أن تكون

هذه المقالة قد أوصلت الفكرة و غطت بعض جوانب هذا الموضوع الذي يجب التفكير فيه سواء

للتخطيط الشخصي أو الأسري والنظر للأعمال و التسارع في المستقبل.

 

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك رد