fbpx
Connect with us

مقالات

ليلة في كيبيك !

Published

on

قصة قصيرة ـ كتابة حسام الصعوب: كان يحثّ الخطا مسرعاً وكأنما المتجر هو جنّته ، لم يستطع التمييز بين البخار المنبعث من تنفسه و بين دخان سيجارته الأخيرة ..

_ إنه برد قارس !!

صرخت إحدى ضلوعه بصوت مسموع في دماغه ، فرمى سيجارته و التف نفسه بيديه و شرع يحتضن دفأه خوفاً عليه من الهرب مع صهيل المحركات المارة على الإسفلت غير آبهة لوحدته .

دخل المتجر مسرعاً و كأنه شبح لا يثبت آدميته سوى ارتعاشه المتواتر ، توقف لحظة ليستجمع الدفء و يبثه في خلايا جسده ، بينما اعتقد الآخرون أنه غريب على وشك القيام بحماقة ما .. لاحظ عيون الزبائن المتعلقة به كما لو أنه شجرة للميلاد نصبت في عيد الفصح ! فاختار أن يتحامل على صوت عظامه التي تئن برداً و يتقدم خطوة فخطوتين باتجاه علب السجائر المرتبة ، حاول جاهداً فك التحام يديه بجسده و هو يلاحظ بالعين المجردة نظرات البائع المرتابة و استعداده للرد على أي حماقة بحماقة تزيد عليها ! ولوهلة أحسن بأن الليلة بأكملها ستذهب في اتجاه خاطئ تماماً !!

_ هل تحتاج إلى المساعدة ؟

أتاه صوتها كنصل حاد قطع ثقل الصمت المريب !! و كعادتنا مع كل الأشياء الجميلة ، بحيث لا نصدق بوجودها إلا إذا تكررت ، وقف جامداً دون أن يلتفت إلى منبع العذوبة خلفه حتى أعادت الفتاة جملتها : _ عفواً .. هل أنت عربي ؟ هل تحتاج إلى المساعدة ؟

التفّ رويداً رويداً كما لو أنه يواجه قدره ! ها هي تقف قبالته ، غزالة في معطف شتوي ثقيل لم يعتد رؤيته إلا في الأفلام ! ينسدل شعرها الذهبي كستارة من حكايات ألف ليلة و ليلة على جانبي وجهها المشرق إلى الحد الذي يؤذي شبكية العين ! و مع ابتسامة تكاد تحتل وجهها بحيث لم يعد يرى سواها خاطبته مجدداً : _ هل تفهمني ؟

أجاب كالمخمور من رائحة العطر :  نعم .. نعم أنا أفهمك ..

تابعت كلماتها لكنه لم يكن ينصت ! كان مشغولاً بتفحصها بكل فجاجة كما لو أنه في حصة للرسم ! لم يمنعه معطفها الثقيل من تبين كل منحنى في جسدها ، ولم تمنعه الدهشة على وجهها من تفحص عينيها بإمعان كما لو أنه ينظر إلى جنته الخاصة ، لم تستطع عذوبة صوتها أن تصرف انتباهه عن اكتناز شفتيها و هما بانتظار القطاف ! هل هذا ما تقدمه كندا من العسل ؟! سأل نفسه و هو يشتعل بحمى تكفي لتدفئة كيبك أسبوعاً كاملاً !

في الخمس دقائق التالية ، بدأ يشعر بأنه في حضن وطنه ، بدأ يستمع قليلاً مع استمرار عينيه في اقتحام كل تفصيل جسدي منها ، فتح أزرار معطفه و استند إلى الرف و هو يهز رأسه موافقاً على كل ما تقوله حتى على اسمها !! و بدأت ضلوعه تئن حراً بعد الجليد ..

لم يهتم تماماً بما تقوله ، لكنه فهم من البعض اليسير مما سمع ، أنها من أصل عربي و مطلقة تعيش لوحدها ، و كان هذا كافياً له ليتخذ خطوته التالية ، لكنها فجأة صمتت !! تبادر إلى ذهنه أنها قد تكون سألته سؤالاً و تنتظر الإجابة ! لكن ما السؤال ؟ و كيف يستعيد الحديث في الوقت الذي كان فيه مأخوذاً باكتناز شفتيها و هو لم يتذوق طعم التوت البري منذ غادر زوجته في دمشق قبل شهرين !

_ عفواً .. لم تخبرني .. هل تسكن بالقرب من هنا ؟!

تنفس الصعداء لتكرارها ، و بينما كانت شفتاه تجيب ، كان دماغه يحلل خطة لا علاقة لها بما يقول : هي وحيدة ، و هي تسألك عن منزلك ، و في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل !! افهم و لا تتردد فقد مر شهران منذ غادرت حنين .. حنين !! لكن ماذنبها حنين ! كيف تخونها و هي ضحت بكل شيء حتى تسافر لتتبعك ! ألم تبع خاتمها اليتيم و طوقها الأخف من الريشة حتى تتمكن من دفع ثمن التذكرة ! أوليست تعمل في وظيفتين لتؤمن مستلزمات منزلك حتى لا تضطر لإرسال المال إليها !

_ أين شردت ؟

قاطع صوت الغزالة تأنيب ضميره ، فنظر إليها بعينين دامعتين ، و عاد إلى الجدل بينه و بين نفسه : دعك من حنين الآن ، هي ليلة واحدة ، أنت رجل و لجسدك حق عليك ! لا .. يجب أن أصون حنين كما أتوقع منها أن تصونني في غيابي .. لكن هذه الشقراء أجمل منها بكثير ! متى ستتاح لك الفرصة مرة أخرى لزيارة معبد من الرخام الأبيض بقبتين من العسل و باب من التوت الشامي ! حنين ليست أجمل منها .. لكنها حنين !! و هل ستعرف حنين ما فعلنا بعيداً عنها بآلاف الكيلومترات ؟ لا لن تعرف .. لكنني أنا سأعرف !!

_ ما بالك ؟! أنت لم تخبرني حتى الآن ما اسمك ؟!

قالت جملتها و هي تقترب من وجهه كأنها تتحسس سلامته العقلية ! في حين أحس هو ، و في خضم حواره مع بقايا ضميره بأن ريح الفردوس قد مرت للحظة هاهنا !

لم يجبها على سؤالها بل غرق في عينيها ! و خاطب ضميره سراً : سأصلي و أصوم بضعة أيام و لننتهي من هذا الجدل البيزنطي ، خذ غفوة على أنسام العطر ..

_ ما بالك ؟ لماذا لا ترد ؟ هل أنت مريض ؟

أتاه الصوت هذه المرة مألوفاً !! و كعادتنا مع كل الأشياء السيئة ، بحيث نكذب أنفسنا إنكاراً لوجودها حتى تكراراها ، أغمض عينيه ، ليسمع الجملة مرة أخرى : ما بالك .. لماذا لا ترد .. هل أنت مريض ؟! فتح عينيه و هو يرغب في انطفائهما ، ليرى حنين ترتب الغرفة من حوله في صخب ! ولا تزال تصرخ كبوق من أبواق يوم القيامة :

_ أفق .. كفاك نوماً .. ستتأخر ولن تتمكن من الحصول على إذن السفر اليوم ..

فأجابها و عيناه تكاد تدمعان حقاً : سامحك الله لماذا أيقظتني .. كنت أقضي ليلتي في كيبيك !!

فالتفتت إليه كقدر ساخر ، و خاطبته و هي تسحب الغطاء من فوقه بعدوانية :

_ احصل على جواز السفر في البداية .. و لتحلم بعدها بما تشاء !!

حصري