Lama Farahمقالات

للمدن كراماتها كما للبشر

جريدة المهاجر the migrant

جريدة المهاجر ـ لمى فرح

عندما ترحل عن مدينة كدمشق تعاملك كإمرأة جميلة يملؤها الكبرياء وهي تودّع رجلاً أدار وجهه عنها بعد

أن أعطته الكثير وأحبته كثيراً ووهبته من روحها الكثير موقنة برضى أنه سيرى وجهها في وجوه كل النساء بعدها .

 عندما ترحل عنها تدسّ في حقائبك بخفة ساحر قارورة من عطرها  المضمخ بمزيج من الياسمين والنارنج

والزعتر والقهوة والهال ،وتخبىء بين أمتعتك صندوق ذكرياتك معها وعنها وصور من أحببت فيها، وقبل أن

تقبّلك قبلة الوداع ترسم بدهاء ملامحها على روحك ، فأينما أدرت وجهك ترى وجهها هي منعكساً على

المرايا.

للمدن كراماتها كما لنا نحن البشر. دمشق لن تعاتبك على الرحيل ،هي فقط تقتصّ لكرامتها منك كل يوم 

بلعنة أبدية، بوشم محفور في القلب اسمه : الحنين .

*********

لسنوات طويلة ومنذ أن غادرت مدينتي و أنا أبحث في الأسواق بين أغلى وأرقى الماركات العالمية عن

فراش وثير أنعم فيه بنوم هادىء ومريح ينسيني تعب النهار، لكن كل تلك السنوات لم أستطع أن أجد ما

يضاهي نعومة الفراش الذي في بيتنا الدمشقي، ولا وسادة طريّة كوسادتي المحشوّة بالذكريات والتي

دسّتها أمي دون أن أدري في حقائبي، ولم أعثر على ملاءة لها عبق ملاءتي المحلية الصنع المطرّزة

بالياسمين، حينها فقط أيقنت أن الماركة الوحيدة التي تأتي على مقاس روحي ولا تسبّب لقلبي

الحساسية والغير قابلة لإستبدال والإسترجاع هي العلامة المسجلة “صنع في الوطن”.

*********

ذات صباح شدتني رائحة البن الطازج لأشرب قهوتي في هذا المقهى الدافىء الأنيق. أدركت أن البائع

سوري من حديثه مع زميله وهو أدرك أيضاً أنني سورية من المكالمة الهاتفية التي  كنت أجريها بلهجتي

الشامية الواضحة. تجاهلنا هذه الحقيقة وطلبت القهوة بإنحليزية متقنة .رد هو بنفس اللغة مع كلمات

مازحة ودودة . فوجئت به وهو يقدم لي إلى جانب القهوة قطع من البسكويت بالشوكولا لم أطلبها، وعقّب

على دهشتي بالقول “هي ضيافة المحل لأنك بنت البلد “.

هنا  في الغربة  أحلى الحكايا تحدث لنا كلما تعثرنا بين الصدفة والصدفة بأوطاننا، بلغتنا، بملامحنا تلك

التي تأتي على هيئة أولاد البلد .

*********

في عيادة الأسنان يمكنني احتمال يد الطبيب  التي تجول  في فمي المفتوح على آخره بوضعٍ غير مريح

مقابل احتفاظي بأسنان صحيحة  وابتسامة جميلة جذابة، لكن لماذا وأنا هنا أفكر في صديقتي المقرّبة 

في سورية والتي منذ سبع سنوات جلّ أمنياتها ان تبتسم بأسنان ناصعة مرصوفة أو مخلّعة ، لا يهم المهم

أن تبتسم ؟ لماذا أفكر في كل الإبتسامات التي أطفأتها الحرب؟ ولماذا مرّت على  خاطري  تلك الإمرأة 

بالذات التي  فقدت طفلها وهو يلهو على شرفة المنزل قبل حتى أن يبدّل أسنانه اللبنية المؤقتة؟ ما دخل

أسناني أنا بما  يحدث في بلدي ؟.

 أقنعت نفسي بأنني سأركز تفكيري فقط وفقط  في صوت جهاز “التورباين” المزعج في فمي، لكني لم

أدرك أن الطعم المالح على شفتيّ هو تلك الدموع التي ترجمت أفكاري ، إلا عندما قال الطبيب لي : ”

أرجوك احتملي ..  قليلاً فقط وننتهي .. أعرف كم هو قاسي ألم الأسنان “.

أبداً .. يبدو أن طبيب الأسنان الكندي هذا،عدا عن وجع الأسنان لا يعرف شيئاّ عن  الحُرقة والألم!.

*********

يحتار أولادي في إصراري على أن أعدّ لهم أحياناً عرائس الزيت والزعتر، ويضحكون كلما ألقيت على

مسامعهم معلّقات شعر في فوائدها الصحيّة ولذة طعمها. هم لا يدركون أنني إنما أقدم لهم وجه بلادي

في بساطتها، في قناعة الفقراء وهم يشكرون الله على النعم ، في اقتسام الفرح واللعب والطعام مع

رفاق المدرسة ومعها ذكرياتي .

أثق أنهم سيكبرون يوماً ويدركون أنني ما قصدت فقط أن أطعمهم ، إنما كنت أسرد لهم حكاية من حكايات

بلدي ، اسمها “عروسة الزعتر” !

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك رد