اخبار الجالية

كنت أظن أن الأم لا تكذب

يقول المخرج العالمي السوري الراحل الدكتور مصطفى العقاد : كنت أظن أن الأم لا تكذب ، ولكني أدركت ان ظني خاطئ بعدما كذبت عليّ امي ثماني كذبات وإليكم أكاذيب أمي لتعرفوا كيف تكذب الأم .

تبدأ القصة عند ولادتي ، فكنت الابن الوحيد في أسرة شديدة الفقر فلم يكن لدينا من الطعام ما يكفينا . وعندما كنا نأتي بأرز قليل لنسدّ به جوعنا كانت أمي تعطيني نصيبها وبينما كانت تحوِّل الأرز من طبقها إلى طبقي كانت تقول : ياولدي تناول هذا الأرز  فأنا لست جائعة  ” وكانت هذه كذبتها الأولى ” .

وعندما كبرت أنا شيئا فشيئا كانت أمي تذهب للصيد في نهر صغير بجوار منزلنا ، لتأتي لي ولو بسمكة واحدة أسدّ بها جوعي  وفي مرة من المرات استطاعت بفضل الله  أن تصطاد سمكتين ، أسرعت إلى البيت وأعدت الغذاء ووضعت السمكتين أمامي فبدأت أنا أتناول السمكة الأولى شيئا فشيئا ، وكانت أمي تتناول ما يتبقى من اللحم حول العظام والشوك ، فاهتز قلبي لذلك ووضعت السمكة الأخرى أمامها لتأكلها ، فأعادتها أمامي فوراً وقالت :يا ولدي ألا تعرف أني لا أحب السمك ؟ ”  وكانت هذه كذبتها الثانية ” .

 وعندما كبرت أنا كان لابد أن ألتحق بالمدرسة ، ولم يكن معنا من المال ما يكفي مصروفات الدراسة ، ذهبت أمي إلى السوق واتفقت مع موظف بأحد محال الملابس أن تقوم هي بتسويق البضاعة بأن تدور على المنازل وتعرض الملابس على السيدات ، وفي ليلة شتاء ممطرة ، تأخرت أمي في العمل وكنت أنتظرها بالمنزل ، فخرجت أبحث عنها في الشوارع المجاورة ، ووجدتها تحمل البضائع وتطرق أبواب البيوت ، فناديتها : أمي ، هيا نعود إلى المنزل فالوقت متأخر والبرد شديد وبإمكانك أن تواصلي العمل في الصباح

فابتسمت أمي وقالت لي : يا ولدي.. أنا لست مرهقة ” وكانت هذه كذبتها الثالثة ” .

وفي يوم كان اختبار آخر العام بالمدرسة ، أصرت أمي على الذهاب معي ودخلت أنا ووقفت هي تنتظر خروجي في حرارة الشمس المحرقة ، وعندما دق الجرس وانتهى الامتحان خرجت لها فاحتضنتني بقوة وبشرتني بالتوفيق من الله تعالى ، ووجدت معها كوبا فيه مشروب كانت قد اشترته لي كي أتناوله عند خروجي ، فشربته من شدة العطش حتى ارتويت وفجأة نظرت إلى وجهها فوجدت العرق يتصبب منه ، فأعطيتها الكوب على الفور وقلت لها :اشربي يا أمي ، فردت : يا ولدي اشرب أنا لست عطشانة ”  وكانت هذه كذبتها الرابعة ”.

وبعد وفاة أبي كان على أمي أن تعيش حياة الأم الأرملة الوحيدة ، وأصبحت مسؤولية البيت تقع عليها وحدها  فأصبحت  الحياة أكثر تعقيدا وصرنا نعاني الجوع . كان عمي رجلاً طيبا وكان يسكن بجانبنا ويرسل لنا ما نسدّ به جوعنا ، وعندما رأى الجيران

حالتنا تتدهور من سيء إلى أسوأ ، نصحوا أمي بأن تتزوج رجلا ينفق علينا فهي لازالت صغيرة ، ولكن أمي رفضت الزواج قائلة : أنا لست بحاجة إلى الحب  “وكانت هذه كذبتها الخامسة”.

وبعدما انتهيت من دراستي وتخرجت من الجامعة ، حصلت على وظيفة إلى حد ما جيدة ، واعتقدت أن هذا هو الوقت المناسب لكي تستريح أمي وتترك لي مسؤولية الإنفاق على المنزل ، وكانت في ذلك الوقت لم يعد لديها من الصحة ما يعينها على أن تطوف بالمنازل ، فكانت تفرش فرشا في السوق وتبيع الخضروات كل صباح فلما رفضت أن تترك العمل خصصت لها جزءاً من راتبي ، فرفضت أن تأخذه قائلة : يا ولدي احتفظ بمالك ، إن معي من المال ما يكفيني و”  كانت هذه كذبتها السادسة”.

وبجانب عملي واصلت دراستي كي أحصل على درجة الماجيستير ، وبالفعل نجحت وارتفع راتبي ، ومنحتني الشركة الألمانية التي أعمل بها الفرصة للعمل بالفرع الرئيسي لها بألمانيا ، فشعرت بسعادة بالغة ، وبدأت أحلم ببداية جديدة وحياة سعيدة ، وبعدما سافرت وهيأت الظروف اتصلت بأمي أدعوها لكي تأتي للإقامة معي ، ولكنها لم تحب أن تضايقي وقالت : يا ولدي .. أنا لست معتادة على المعيشة المترفة ”  وكانت هذه كذبتها السابعة “.

كبرت أمي وأصبحت في سن الشيخوخة ، وأصابها مرض السرطان ، وكان يجب أن يكون بجانبها من يهتم بها ، ولكن ماذا أفعل فبيني وبين أمي الحبيبة بلاد . تركت كل شيء وذهبت لزيارتها في منزلنا ، فوجدتها طريحة الفراش بعد إجراء العملية ، عندما رأتني حاولت أمي أن تبتسم لي ولكن قلبي كان يحترق لأنها كانت هزيلة جداً وضعيفة ، ليست أمي التي أعرفها ، انهمرت الدموع من عيني ولكن أمي حاولت أن تواسيني فقالت : لا تبكي يا ولدي فأنا لا أشعر بالألم و” كانت هذه كذبتها الثامنة”  .

وبعدما قالت لي ذلك ، أغلقت عينيها ولم تفتحتهما أبداً.

تم نقل هذه القصة كما وردت من المصدر أدناه

المصدر : مفكر حر

migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً