الأحد, فبراير 18, 2018
مقالاتيوميات مهاجر

غزل في «البيسمنت» !

هل زرت المتحف الوطني في تورنتو ؟ لم يقل غير هذه الكلمات وما أن سمعته زوجتي الردّاحة  حتى أطلقت جدار الصوت كأنها تكلم رئيس جمعية الصم و البكم . ولماذا تزور المتحف ؟ انظر الى بيت صديقك ،أثاث من عهد الفراعنة ، الأبواب من العهد الفينيقي ، مطبخ تجريدي ، صالون رمزي ، جدران المنزل صواعد ونوازل ، وهذا تخت الزوجية البالي يبدو من العصر الروماني ، أصرف عليه زيتا مثل محرك «الديزل» ولا يزال اذا حطّت عليه برغشة يصرخ مثل» بافاروتي « .

هذا « البيسمنت « يجب على» الأونيسكو» أن تضع يدها عليه وتسوره بالأسلاك الشائكة وتعتبره محمية طبيعية لكل عصور العهد القديم وأن تسوّر صاحبك معه ايضا على أنه محمية غير طبيعية ! عشرون عاما من الحفريات في رأسه ولا أزال حتى الآن لا أفهمه ولا أعرف لأي حقبة جيولوجية ينتمي.

قلت لها مرطّبا أجواء « البيسمنت « الرطب بطبيعة الحال : تذكرين عندما «وصّينا» على أول ولد على هذا التخت الروماني ، ماذا حدث؟ . فعلا صوت الليل « بودي « ، الحمد لله ما حدا تحتنا نحنا تحت الكل !!! ورغم ذلك سمعت أصداء تلك الليلة في شلالات نياغارا !!!

ثم توجهت بالحديث إلى صديقي مبررا هذا الاستقبال « الأوبرالي « من زوجتي  : شاءت الصدفة أن يكون أول موعد لي معها قرب المتحف الوطني في تورنتو ، ولم تكن تدري أنني بعد كل هذه السنوات التي مرت احترم هذه الذكرى و ليس باستطاعتي أن أقدم لها أكثر من هذا «البيسمنت « الرطب !

أسعار العقارات تحلّق عاليا وأنا لا زلت في مكاني ، وزوجتي عاقدة الحاجبين وتريد نتف حواجبي بالسكر لأنني قلت لها قبل الزواج : سعادتك معي ، وأن القفص الذهبي الذي سيجمعنا لن تسمع به إلا كلاما مثل :» عيناك غابتا نخيل ساعة السحر…أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر « … بدأت أضربها على عينها  يا رجل بعد شهر العسل مباشرة !

هذا الوطن الجديد يريد النيل من عزيمتي . أنتظرت طويلا حتى تهبط الأسعار وأشتري لها بيتا أفضل من هذا « البيسمت « الرطب ، لكن الأسعار ارتفعت أكثر من السابق ، وكرامتي نزلت معها إلى الحضيض . أسعار العقارات تدخل في صحني وغرفة نومي، ونقيق زوجتي ينخر في جيبي . أعيش معها في سجال دائم و تراشق بالكلام وأحيانا بالصحون والمعالق الطائرة ، والآن تهددني بترك « البيسمنت « تصوّر !!

كانت تعيش معي مثل « كليوباترا « ، ولو لم أكن مثل « أبو الهول « لما استطعت العيش مع نقيقها .

ـ  كل ما أطلبه منك بيتا يرى الشمس ، ألم تسمع المثل الذي يقول : « البيت الذي تدخله الشمس لا يدخله الطبيب « ، وجهي أصبح مثل ورق البردى . لو عاشت معك « كليوباترا « نفسها بهذا « البيسمنت « لتحولت الى مومياء قبل أن تموت  .

ـ اهدئي يا امرأة واشكري ربك بيتنا تحت الارض بسبع درجات  فقط  . كوني واقعية ، العناية الإلهية شاءت ان يكون منزلنا على خط الكسوف الدائم ، قبل الزواج لم أعرفك على نفسي بانني «غاليلو» .

اتفقنا أخيرا على كلمة سواء بيننا ، وجاءت التهدئة من صديقي التوافقي على أساس أن تقبل زوجتي مؤقتا بهذه «النعم « المتوفرة مع البدء بعمليات الترميم والترقيع والتجديد لـ « البيسمنت « وأن تتخلى نهائيا عن فكرة بيت يرى الشمس في هذه الظروف الدقيقة و الحالكة التي تمر بها السوق العقارية في تورنتو ، على أن يتم « تشميس «وتهوية أفراد العائلة في « البارك « المجاور .

وختم صديقي هذا الإتفاق بملحق سري وضعه في أذن حبيبتي الردّاحة قائلا لها : اشكري ربك على أن أول لقاء معه كان أمام المتحف الوطني ولم يكن أمام  ماخور !!! ولا تنسي أننا كنا في بلاد لا تغيب عنها الشمس ، لكنها لم تر النور مطلقا .

                                                                                                                    مدير التحرير : كميل نصراوي 

migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: