Kameel Nasrawiمقالات

غزل في «البيسمنت» !

جريدة المهاجر the migrant

كندا ـ هل زرت المتحف الوطني في تورنتو ؟ لم يقل غير هذه الكلمات وما أن سمعته

زوجتي الردّاحة  حتى أطلقت جدار الصوت كأنها تكلم رئيس جمعية الصم و البكم .

ولماذا تزور المتحف ؟ انظر الى بيت صديقك ،أثاث من عهد الفراعنة ، الأبواب من العهد الفينيقي ،

مطبخ تجريدي ، صالون رمزي ، جدران المنزل صواعد ونوازل ، وهذا تخت الزوجية البالي

يبدو من العصر الروماني ، أصرف عليه زيتا مثل محرك «الديزل» ولا يزال اذا حطّت عليه

برغشة يصرخ مثل» بافاروتي « .

هذا « البيسمنت « يجب على» الأونيسكو» أن تضع يدها عليه وتسوره بالأسلاك الشائكة

وتعتبره محمية طبيعية لكل عصور العهد القديم وأن تسوّر صاحبك معه ايضا على أنه محمية

غير طبيعية ! عشرون عاما من الحفريات في رأسه ولا أزال حتى الآن لا أفهمه ولا أعرف لأي حقبة جيولوجية ينتمي.

قلت لها مرطّبا أجواء « البيسمنت « الرطب بطبيعة الحال : تذكرين عندما «وصّينا» على أول

ولد على هذا التخت الروماني ، ماذا حدث؟ . فعلا صوت الليل « بودي « ، الحمد لله ما حدا تحتنا

نحنا تحت الكل !!! ورغم ذلك سمعت أصداء تلك الليلة في شلالات نياغارا !!!

ثم توجهت بالحديث إلى صديقي مبررا هذا الاستقبال « الأوبرالي « من زوجتي  : شاءت الصدفة

أن يكون أول موعد لي معها قرب المتحف الوطني في تورنتو ، ولم تكن تدري أنني بعد كل هذه

السنوات التي مرت احترم هذه الذكرى و ليس باستطاعتي أن أقدم لها أكثر من هذا

«البيسمنت « الرطب !

أسعار العقارات تحلّق عاليا وأنا لا زلت في مكاني ، وزوجتي عاقدة الحاجبين وتريد نتف حواجبي

بالسكر لأنني قلت لها قبل الزواج : سعادتك معي ، وأن القفص الذهبي الذي سيجمعنا

لن تسمع به إلا كلاما مثل :» عيناك غابتا نخيل ساعة السحر…أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

« … بدأت أضربها على عينها  يا رجل بعد شهر العسل مباشرة !

هذا الوطن الجديد يريد النيل من عزيمتي . أنتظرت طويلا حتى تهبط الأسعار وأشتري لها

بيتا أفضل من هذا « البيسمت « الرطب ، لكن الأسعار ارتفعت أكثر من السابق ، وكرامتي

نزلت معها إلى الحضيض . أسعار العقارات تدخل في صحني وغرفة نومي، ونقيق زوجتي

ينخر في جيبي . أعيش معها في سجال دائم و تراشق بالكلام وأحيانا بالصحون والمعالق الطائرة ،

والآن تهددني بترك « البيسمنت « تصوّر !!

كانت تعيش معي مثل « كليوباترا « ، ولو لم أكن مثل « أبو الهول « لما استطعت العيش مع نقيقها .

ـ  كل ما أطلبه منك بيتا يرى الشمس ، ألم تسمع المثل الذي يقول : « البيت الذي تدخله

الشمس لا يدخله الطبيب « ، وجهي أصبح مثل ورق البردى . لو عاشت معك « كليوباترا «

نفسها بهذا « البيسمنت « لتحولت الى مومياء قبل أن تموت  .

ـ اهدئي يا امرأة واشكري ربك بيتنا تحت الارض بسبع درجات  فقط  . كوني واقعية ،

العناية الإلهية شاءت ان يكون منزلنا على خط الكسوف الدائم ، قبل الزواج لم أعرفك على

نفسي بانني «غاليلو» .

اتفقنا أخيرا على كلمة سواء بيننا ، وجاءت التهدئة من صديقي التوافقي على أساس أن

تقبل زوجتي مؤقتا بهذه «النعم « المتوفرة مع البدء بعمليات الترميم والترقيع والتجديد

لـ « البيسمنت « وأن تتخلى نهائيا عن فكرة بيت يرى الشمس في هذه الظروف الدقيقة

و الحالكة التي تمر بها السوق العقارية في تورنتو ، على أن يتم « تشميس «وتهوية

أفراد العائلة في « البارك « المجاور .

وختم صديقي هذا الإتفاق بملحق سري وضعه في أذن حبيبتي الردّاحة قائلا لها : اشكري

ربك على أن أول لقاء معه كان أمام المتحف الوطني ولم يكن أمام  ماخور !!! ولا تنسي أننا

كنا في بلاد لا تغيب عنها الشمس ، لكنها لم تر النور مطلقا .

كميل نصراوي

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً