fbpx
Connect with us

مقالات

ضيوف ُ آخر الليل !

Published

on

المهاجرـ حسام الصعوب: يؤلمهُ أنه ُ حبيسُ الزمان لا المكان !

يضع ُ كأسه ُ جانباً و يستسلمُ لفكرتِهِ الجديدة : لماذا نرفُضُ الزمن دائماً ؟!

أليس َ من الغريب ِ أننا نرتحِلُ ذهاباً باتجاه أحلامِنا في المستقبل ، و إياباً باتجاهِ ذكرياتنا في الماضي ، وكأننا نريدُ فقط الهروب من سطوةِ اللحظة ِ الراهنة ؟!

قد يكونُ من المبررِ الذهابُ بالآمال إلى واقعٍ أفضلٍ في المستقبل ! و لكن الإياب إلى الماضي يطرحُ أسئلة ً لا إجابة َ لها ، سوى أننا نرفُضُ الزمنَ في لا وعينا !

لا فائدة َ من الفلسفة عندما يكونُ الوعي ُ غافياً على أطراف الحلم ، استلقى على أريكته التي ملَّته و اتَّخّذَ وضعيةً مناسبة ً لاستقبال زواره ! استندَ برأسهِ إلى يَدِه و نَظَرَ بحنينٍ إلى علبةِ سجائره ! هو يعرفُ تماماً أن ما بداخِلِها قد تحول إلى أبواقٍ في الوضع الراهن ! فإذا كان َ يوم ُ القيامةِ يبدأ بالبوق الأول ، فإن زياراته الليلية تبدأ ُ بسيجارة أولى ! اسْتلَّها ، و نفخ ..

تبدأ ُ قِصّتُنا مع ضيوفِ آخر الليل كما كلُّ قصص الحب ! انتقائية في البدايات ! حتمية في النهايات !

يبدو الماضي على باب ِ الوجدان في صورٍ متعددة ٍ غير مجتمعة ، كما لو أنه أكثر ُ من شخص ! يطرق ُ على بابِنا برويةٍ أو بإلحاح ، لا فرق ، ففي تلك اللحظات التي نسمع ُ فيها لحن َ الحنين ، نتحولُ إلى الضيفِ و البابِ و المضيفِ في آنٍ معا ً !!

ينتقي ضيفَتَهُ في الزيارة الأولى ! تطرقُ بابَهُ ذكرى مؤلمة لمن أحب يوماً فلا يَفتحُ لها ، تعاودُ الكرَّة بإلحاحٍ أكثر ، فيوصدُ بابَ الروح بإحكامْ ! حتى أنه ُ يستعينُ بنفخةِ بوقٍ ثانية !

تنصَرِفُ تلكَ الضيفة ُ الثقيلة على مضض متوعدةً بألمٍ جديد ، و تصطفُّ في مكانِها ذكرى جميلة ! تسلل شذاها عبرَ مسامِ البابِ حتى قبلَ أن يُفتَح ! رائحةُ العطرِ المعتق ِ على الجسد لا نشْتَمُّهَا إلا بالقُبَل ، و فحيحُ الشوق ِ الذي يزحفُ متسللاً تحت الجِلْد لا يُسكِتُهُ إلا العناق ! أهلاً بمن تعرِفُ يقيناً أن الارتحال بين السريرِ و السُّحُب سرٌّ لا يتشاركُهُ سوى العشاق !

يَفْتَحُ بابَ روحِه على مصراعيه لاستقبالِ الفرح ! يُعانِقُ تلك الذكرى ! يَعْتَصِرُها ! يصبُحُ واحداً فيها و معها ، تُهْدِيهِ نشوة َ إحساسِها مرةً أخرى ، و يَرُد لها التحية بأن يعيشَها كما لو أنه يحياها من جديد !

بِضْعُ دقائقَ من ثمالة الروح ، و الابتسامات تشتعلُ و تخبو على وجهِهِ دون أية كلمة ! في تلك َ اللحظاتِ الهاربةِ من الزمن ، لا حاجة للكلمات و الأبجدية ! لا حاجة للأصواتْ ! كل ما أنت بحاجته ، مجرد إنسان !

يَشعُرُ الآنَ أن جَسَدَهُ بدأ يطفو على أجنِحَةِ الهذيان ! يحتاجُ بوقاً ثالثاً ليسموَ أكثر ! ينْفُخُه مستعجلاً خوفاَ على اللحظة من الهرب ْ ، لكنها أسرعُ من حِنكة الفانين !

ها إنَّ الضيفة َ الأولى قد انصرفتْ دونَ وداع ، و أصبحَ من الضروري استدعاءُ ضيفةٍ أخرى !

يتَسللُ خارجَ بابِهِ ليقتادَ ذكرى تِلك الرحلةِ معها على الأقدام في أزقة مدينته القديمة ، يُدخِلـُها عنوةً في عارِض الروح ، و يَرْتَحِلُ دون جَلَبةٍ على وَقْعِ الصورِ دون ارتحال !

كانا وحيدين في وَسطِ الزحام ! و كان َ الجميع ُ على جانبي الطريق ِ مُجَرَّد تفاصيلٍ زائدة ، كالشجر كالحجارة كالتماثيل ! كأي شيء ٍ ليسَ لهُ وظيفة ٌ سوى أن يتممَ روعة َ المشهد ! مشى معها في وجدانه من جديد ، و أحسَّ كما أحسَّ في المرة الأولى ، بأنه يخطو على قلوبٍ رُصِفَت بها حاراتٌ يعرِفُ تاريخها جيداً ، ابتَسَمَتْ لَهُ في خيالِه ، و للابتسامةِ على شفاهِ من نُحِب طَعْمٌ أشهى من القُبَل عندما نكون نحنُ من رَسَمها ! و غادرت الضيفَةُ الثانية ُ دون َ إنذارٍ أو استئذان !

بوقٌ رابع ٌ و بابُ الروحِ باتَ عصياً على الإغلاق ! الضيفةُ الثقيلة ُالتي رَفَضَها الوعي في البداية عَبَرَتْ عنوةً على حدودِ النشوة ، و احتلَّت صدرَ المشهدِ مؤذنة ً بالانتقام ْ !

_ لماذا انفصلنا ؟!

تكلمت ضيفَتُهُ بلسانِه و كأنها تسخَرُ من عجزِهِ و تُوَثِّقُه ! ثم عَوَت كذئبةٍ مستوحشةٍ ممسوسةٍ بألفِ شيطان ٍ ، و دَعَتْ قطيعها الجائع َ ليبدأ بنَهْشِ ضيوفِهِ الآخرين !

لا تأثيرَ للأبواقِ على هذه الذئبةِ الممسوسة و قطيعها ! لا نَفْعَ لتغيير وضعياتِ الاستلقاءِ على الأريكة ! فالأنياب المغروسة ُ في اللحمِ الغض لا تَخرُج منهُ إلا بخروجِ الروح ..

يُحاوِلُ مرة ً بعد مرة ٍ أن يستوعِبَ هذا الهجومَ الجاهلي ، يُدْخِلُ الضيفَ تلوَ الضيف ، لكن الذئبة جائعة ٌ و قطيعُها يلتهمُ كل شيء .. الجمالُ يطعنُهُ الرحيل ! الطيبةُ تفترسها القسوة ! الاهتمامُ تلوكُهُ اللا مبالاة ، و الحلمُ مزقتهُ أنيابُ الواقع .. لكلِّ ضيفٍ ذئبته الخاصةُ ، و الذئبةُ الأم لها اسمُ الفراق ..

يستَوي في جلستِهِ مُحَطِّماً آخر الأبواق ِ ، يَعِيشُ لحظة ً من الشفافيةِ المطلقة ! يرى الذئبة َ منتصبة ً تعوي في مركزِ روحِه ، و يتردد صدى عوائها في طبقاتِ وجدانه معلناً انتصارَها و هزيمَتَه ! يَحْمَدُ الله على هروبِ ضيفتيه قبل وصولِها ، و يَتْرُكُ بقية ضيوفِه للملمة الجراح ِ ، علَّ الشفاءَ يُدْرِكُهُم قبلَ زيارات ِ الليلة القادمة !

يبتسمُ بمرارةٍ ، و يقررُ التغلبَ على الذئبةِ بنصرٍ تفوحُ منهُ رائحةُ الهزيمة ! يعودُ إلى الزمنِ الحاضرِ ليكسِرَها ، فتتلاشى في البال مع قطيعها ، لكنها تترُك آثارَ أنيابِها شاهدةً على حضورِها في جَسَدِ الفرح !

الآن َ انتهت الزيارات ، أوصدَ السرداب ُ و دَقَّ التعبُ بابَ النوم ، رَحَل الضيوفُ أم تم التهامُهُم لا فرق ! فالمهم ُ في الإبحارِ في محيطِ الذكريات ، أنكَ مهما ابتعدت ، ستبقى قادراً على العودة ِ إلى الشاطئ ، برفَّةِ واقعٍ واحدة ..

مقالات أخرى للكاتب:

حصري