fbpx
Connect with us

مقالات

سطورٌ من الروح !

Published

on

المهاجر ـ حسام الصعوب : ابتسمَ لنفسِهِ في حزن !

_ يا لعبثية هذا الزمن الذي نعيشُه ! نخشى الموتَ لأننا أحياء ، و نحيا أمواتاً لأننا نخشى الحياة !

من أين أتتْ تلك الفكرة الرمادية ؟ كيفَ تسللت إلى ذهنه مع كل هذا الكحل الذي يرسم حدود السماء ؟! هو لا يعلم ، قال جملته و أوقد صديقته في فمِه ، قبَّلها قبلةً فرنسية عميقة حتى اجتثَّ أعماقها ، ثم عاد و أطلقهم في فضاء غرفتِه الصغير ..

لا شيء مميز لهذا المساء ، هو نفس فنجان القهوة البارد الذي يرتشفه من حينٍ إلى حين و يقلِّبُهُ داخل فمِه كما لو أنه نبيذ ٌ فرنسي معتق ، هي نفس الأوراقِ المبعثرة على مكتبه كياسيمنٍ بري ينمو دون أن يقصِد زراعته ، هو نفس كرسيه القديم الذي يجالسه منذ عقدٍ و نيف حتى بدأ كل منهما يشعرُ بالانتماء إلى الآخر !

_ هل هذا ما يجعلُنا نشعرُ بالانتماء ؟ تلك التفاصيل الصغيرةُ التي نألفُها دون أن نكون قادرين حتى على تسميتها ؟! هل تصبحُ جزءاً منا أم أننا نصبحُ جزءاً منها ؟! لربما نصبحُ معاً جزءاً واحداً من كُلِّية المكان .. أيِّ مكان ..

قال هذا و هو يبتسمُ عندما تذكر أنه كان قادراً على تمييز كرسيه من بين مجموعة تعودُ لعائلته ، عندما قامت أمه بتنظيفها جميعاً ذات مرة ، لكنه لم يستطع في حينها تحديدَ الاختلاف أو حتى تسميته !

التفَتَ ليرى حبيبتهُ مستلقية ً على سريره كزهرةٍ بريةٍ أجمل من أن تُسَمَّى ، و يلُفُّها في شوقٍ غطاء رقيقٌ مطرز بالورد ، عادَ ليبتسمَ مع إدراكِهِ بأن مجموعةً من الزهور تغطي زهرة واحدة ! أين المنطق في ذلك ؟!

_ يجب أن يصنعوا لكِ غطاءً من الشمس ! تلك الحالة الوحيدةُ المنطقية ..

قالها و هو يعود إلى أوراقِه ، أمسك القلم بغصَّةٍ و غصَّ معه القلم ، فقد كان مدركاً تماماً بأننا عندما نكتبُ لنُفَرِّغ إحساسنا على الورق ، إنما تتحولُ صفحاتُنا إلى مرآة و تصبحُ الحروف انعكاس الضوءِ على أطرافِ الروح !

_ ماذا أكتبُ إليكِ بعد سجالِ الأمس ؟! لا زلتِ أمامي هنا ! لكن ماذا ستُخبِركِ الروح عني ؟!

رمى قلمه إلى حضنِ الورق و عاد ليقبِّل صديقته في فمه قبلات فرنسية كل واحدة منها أعمق من سابقتها ، و فجأة ً فاضت روحُهُ بالكلماتِ و كأنها طوفان ٌ لا سدود في وجهه ! هي تريدُ الكلام ! و ليسَ عليهِ إلا الإذعان ! من ذا الذي يستطيعُ مقاومة الروح ؟! استعاد قلمه بسرعةٍ و خطَّ على عجل دونما نيةٍ أو إدراك كما لو أن وجدانَهُ هو من يحرك يده و ليس عقله :

( كلما أردتُ الكتابة َ بعيداً عنك ِ .. وجدْتُكِ حاضرة ً بين الورقة و القلم ! بين الفكرةِ و أصابعي !

تَحْضُرين بجمالِكِ و بؤسِك ، بتصفيفة شعرِك التي أحِب ، و تلك التي أكرَه ! بكل ما أعشقه فيكِ ، و كل ما أبغِض ! يخْضُرُ وجهُكِ كَسِرٍّ مختبئٍ بين الحرف و الحرف ! لا تَعرِفينَ واقعاً كيف تلعبين ( الغميضة ) لكنك تتقنينها حدَّ الاحتراف داخل رأسي !

أخوضُ حرباً مع كلماتي !

فواحدةٌ تُذَكِّرٌني بطيبتِك ! و الأخرى تُنَبِّهُني لذكرياتٍ يجب أن تظل طي الكتمان  !

واحدةٌ تُحاصِرُني بشغفِك ! و أُخرى تُفرِجُ عني بأنينِ صورٍ من اللامبالاة !

ليسَ على كلِّ سطرٍ أن يكون َ مُبْهَماً إلى هذا الحد حتى يكون النصُّ جميلاً !

كيفَ سيَفهَمُني من سيقرأ إذا كنتُ أنا نفسي مُنشَطِراً بين ضجيجِ الاحتمالات ؟!

ما مِنْ رَجُلٍ يعشقُ امرأة ً كاملة ً ! لكنه ُ يراها كاملةً فقط عندما يُحِبُّها ! و عِندَها يعودُ القرارُ لها ، هل ستُصبِحُ قمراً ؟ أم ستُصبحُ أغنية ؟

لا تسمحي للكلمات بأن تخدعكِ ! فالقمرُ يكونُ هلالاً و بدراً ! و ما بينهما حالات متعددة من الاكتمال و النقص ! صحيحٌ أن القمر قد يكونُ جميلاً على طريقَتِهِ في كلِّ حالة ، لكنَّ الأغنية تَكتَمِلُ مرة ً واحدة ً و إلى الأبد  )

نظرَ إلى سطوره بشيء من الدهشة !

_ هذا إذاً ما تُخبِرُكِ الروح عني !

التفتَ إليها ليجدِها مستيقظة ً ، تَقِفُ خلفَهُ و في عينيها تلك النظرة من العتب التي يحفظها عن ظهر روح !

_ مهلاً .. أعلم ما ستقولين .. ما من أحدٍ كامل .. الحياة قاسيةٌ لا ترحم ُ من يرحم .. حتى الورود لها ساعات من الغضب بحيثُ تُطلقُ إكسير الموت بعد أن كانت تُهدي للحياةِ أنفاسها كلما عانقت الشمس .. أعلمُ كل هذا و أكثر .. لكنني و بكل بساطة ٍ أراكِ حياة ً كاملةً مكتملةً .. أراكِ أغنية ً و حسب ..

قالَ كلماته و التفَّ على كرسيِّه ليجدها جالسةً على المكتب ، تُقَلِّبُ أوراقه و ترمُقُهُ باتهاماتٍ متنوعة بين كل ورقة و ورقة تتصفحُها ، لم يأبه ! أراد الاستمتاع فقط بلمعة عينيها حتى و هي تنهالُ عليه تحقيقاً بدون كلام !

اختفتْ عن مكتبِه بعد سقوطِ آخر ورقة ، التفَّ ليجِدها واقفةً تلفُّ جيدها بكفِّ يدها ! إنه يعلمُ معنى تلك الحركة تماماً ! إنها الدعوة إلى رحلةٍ بين الأرض و السماء على بساطٍ من الشغف ، انتفضَ و هبَّ إليها مسرعاً ، اقترب من السرير لكنهُ لم يَحتضِن إلا السراب !

سَقَطَ حزيناً على سريره الخالي ، و راح يرددُ صلاتهُ قبل النوم :

_ باللهِ عليكِ ، كيفَ لي أن أشتاقَ لكِ حتى لو تخاصمنا ، إذا كنتِ حاضرةً معي في كل لحظة !

ابتسمَ لها في غيابِها ، تأكد أن هاتفه ليس مضبوطاً على الوضع الصامت ، و بدأ معها رحلة ً جديدة ً في الأحلام !

حصري