الأربعاء, أبريل 25, 2018
Kameel Nasrawiمقالات

دوخة وطنيّة !

منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬أقضي‭ ‬نهاري‭ ‬بمطالعة‭ ‬الصحف‭ ‬،‭ ‬ومسائي‭ ‬بالإستماع‭ ‬إلى‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬واجتماع‭ ‬فلان‭ ‬بفلان‭ ‬وإجراء‭ ‬محادثات‭ ‬لم‭ ‬يكشف‭ ‬ما‭ ‬دار‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬عليها‭ ‬،‭ ‬وقراءة‭ ‬بيانات‭ ‬المعارضة‭ ‬وتفنيدها‭ ‬من‭ ‬الموالاة‭ ‬،‭ ‬واتهام‭ ‬فلان‭ ‬بالهدر‭ ‬ونفي‭ ‬هذا‭ ‬الفلان‭ ‬،‭ ‬وإقالة‭ ‬هذا‭ ‬المسؤول‭ ‬ونظافة‭ ‬كفّ‭ ‬ذاك‭ ‬حتى‭ ‬حكمت‭ ‬رأسي‭ ‬دوخة‭ ‬وطنّية‭ ‬المنشأ‭ ‬استعصت‭ ‬على‭ ‬‮«‬الفاليوم‮»‬‭ ‬واستوجبت‭ ‬مشورة‭ ‬محلّل‭  ‬استراتيجي‭ ‬ليس‭ ‬أقلّ‭ ‬من‭ ‬هنري‭ ‬كيسنجر‭.‬

أي‭ ‬نشرة‭ ‬أخبار‭ ‬أصدّق‭ ‬وأي‭ ‬حزب‭ ‬أو‭ ‬زعيم‭ ‬أؤيد‭ ‬؟‭ ‬ثلاثون‭ ‬عاما‭ ‬لم‭ ‬أسمع‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬حرجة‭ ‬وظروف‭ ‬دقيقة‭ ‬وأوضاع‭ ‬إقليمية‭ ‬صعبة‭ ‬ومشاكل‭ ‬معقّدة‭ ‬،‭ ‬ومؤامرة‭  ‬كبيرة‭ ‬تحمل‭ ‬على‭ ‬كتفها‭ ‬‮«‬خرجاّ‮»‬‭ ‬كبيراً‭ ‬يتّسع‭ ‬لجميع‭ ‬أخطائنا‭ ‬وتقصيرنا‭ .‬فالتراجع‭ ‬مرحلة‭ ‬عابرة‭ ‬،‭ ‬والإنتصار‭ ‬قادم‭ ‬لا‭ ‬محالة‭ ‬،‭ ‬إنها‭ ‬مسألة‭ ‬وقت‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ .‬

سياسة‭ ‬تقول‭ ‬ولا‭ ‬تسمع‭ ‬،‭ ‬وتجد‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬مثل‭ ‬خشبة‭ ‬مسرح‭ ‬تشهد‭ ‬لرشاقتهم‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬المولاة‭  ‬إلى‭ ‬المعارضة‭ ‬أين‭ ‬منها‭ ‬راقصات‭ ‬‮«‬الباليه‮»‬‭ ‬‭. ‬خطاهم‭ ‬ثابتة‭ ‬،‭ ‬يحجلون‭ ‬من‭ ‬إذاعة‭ ‬إلى‭ ‬جريدة‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬بيان‭ ‬تأييد‭ ‬إلى‭ ‬بيان‭ ‬تنديد‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬أرضية‭ ‬إلى‭ ‬فضائية‭ ‬،‭ ‬أصواتهم‭ ‬لا‭ ‬تخف‭ ‬،‭ ‬بياناتهم‭ ‬لا‭ ‬تجف‭ ‬،‭ ‬ازدحام‭ ‬في‭ ‬الطرقات‭ ‬وعلى‭ ‬‮«‬الميكروفونات‮»‬‭ ‬والأكتاف،‭ ‬مواقفهم‭ ‬واضحة‭ ‬وحازمة،شفافية‭ ‬مطلقة‭  ‬نظافة‭ ‬لافتة‭ ‬،‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬عامل‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬وظيفة‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬فلاح‭ ‬ينتظر‭ ‬موسماً‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬شاب‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬منبر‭ ‬،‭ ‬وإلى‭ ‬كل‭ ‬شاعر‭ ‬أعيته‭ ‬قافية‭ .‬

صدرهم‭ ‬كبير‭ ‬يتسع‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬قميص‭ ‬،‭ ‬كل‭ ‬عهد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ياقة‭ ‬،‭ ‬وكل‭ ‬حكومة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حاشية،‭ ‬أعياهم‭ ‬السهر‭ ‬على‭ ‬سن‭ ‬القوانين‭ ‬والخروج‭ ‬عليها‭ . ‬انتباج‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬النوم‭ ‬إلاّ‭ ‬على‭ ‬القضايا‭ ‬الكبرى‭ ‬،‭ ‬ومع‭ ‬قهوة‭ ‬الصباح‭ ‬‮«‬‭ ‬يبطحون‭ ‬‮«‬‭ ‬كل‭ ‬الملفات‭ ‬الصغيرة‭ .‬

يترجلون‭  ‬من‭ ‬‮«‬شبحاتهم‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬نملاتهم‮»‬‭ ‬غير‭ ‬مكترثين‭ ‬بالتكييف‭ ‬والحراسة‭ ‬الشخصية‭ ‬،‭ ‬لا‭ ‬تفوتهم‭ ‬فرصة‭ ‬للتقرّب‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬والإحتكاك‭ ‬بهم‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬‮«‬لقطوا‮»‬‭ ‬الرشح‭ ‬وتصلبت‭ ‬شرايينهم‭ ‬في‭ ‬واجهة‭ ‬أسعار‭ . ‬الليل‭ ‬لا‭ ‬ينال‭ ‬من‭ ‬اندفاعهم‭ ‬،‭ ‬يتنقّلون‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬إلى‭ ‬قرية‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬شارع‭ ‬إلى‭ ‬ىشارع‭  ‬يرصدون‭ ‬،‭ ‬يسجّلون‭ ‬،‭ ‬يتأثرون‭ ‬و‭ ‬‮«‬يعطسون‮»‬‭ .‬

في‭ ‬الوطنية‭ ‬لهم‭ ‬معلّقات‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬لهم‭ ‬دراسات،‭ ‬يتحاشون‭ ‬الأوسمة‭ ‬،‭ ‬عملهم‭ ‬في‭ ‬الظل‭ ‬تواضعاً‭  ‬وفي‭ ‬العلن‭ ‬خجلاً‭ ‬،‭ ‬هواتفهم‭ ‬الثابتة‭ ‬سيمفونية‭ ‬لا‭ ‬تهدأ‭ ‬،‭ ‬تهنئة‭ ‬،‭ ‬شكر‭ ‬،‭ ‬وتنويه‭ ‬،‭ ‬إعجاب‭ ‬وتقدير‭ ‬و‭  ‬لا‭ ‬يمكنك‭ ‬إدراك‭ ‬دقّة‭ ‬حساباتهم‭ ‬المحلية‭ ‬والإقليمية‭ ‬والمصرفية‭ .‬

دول‭ ‬كبرى‭ ‬تتنصت‭ ‬عليهم‭  ‬ترصد‭ ‬شعبيتهم‭ ‬المتزايدة‭ ‬،‭ ‬يقاومون‭ ‬الإحتواء‭ ‬والإملاء‭ ‬،‭ ‬ورغم‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يشعرون‭ ‬بالأسى‭ ‬والغبن‭ ‬والإحباط‭ ‬ويتساءلون‭ ‬بكل‭ ‬براءة‭ ‬ومرارة‭ : ‬ما‭ ‬فعلناه‭ ‬لشعوبنا‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬بثمن‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬‮«‬تاكس‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬نعرف‭ ‬لماذا‭ ‬تتزاحم‭ ‬شعوب‭ ‬بأكملها‭ ‬على‭ ‬المطارات‭ ‬والمعابر‭ ‬الحدودية‭ ‬للمغادرة‭ ‬؟‭!.‬

نعرف‭ ‬شعوبنا‭ ‬جيداً‭ ‬لم‭ ‬يغادروا‭ ‬للسياحة‭ ‬،‭ ‬لكنهم‭ ‬يفضلّون‭ ‬علينا‭ ‬امرأة‭ ‬مثل‭ ‬المستشارة‭ ‬الألمانية‭ ‬أنجيلا‭ ‬ميركل‭ ‬التي‭ ‬ذهبوا‭ ‬إلى‭ ‬أحضانها‭ ‬سباحة‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬،‭ ‬ورئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الكندي‭ ‬جوستان‭ ‬ترودو‭ ‬الذي‭ ‬يمضي‭ ‬وقته‭ ‬بركوب‭ ‬‮«‬الدراجة‮»‬‭ ‬وبأخذ‭ ‬صور‭ ‬‮«‬السيلفي‮»‬‭ ‬في‭ ‬‮«‬المترو‮»‬‭ ‬مع‭ ‬المارّة‭ !‬

لماذا‭ ‬لم‭ ‬يقولوا‭ ‬لنا‭ ‬أنّهم‭ ‬يحبون‭ ‬الدرّاجات‭ ‬لهذه‭ ‬الدرجة ؟‭ ‬بإمكاننا‭ ‬توفير‭ ‬لكل‭ ‬مواطن‭ ‬درّاجة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬رشاقته‭ ‬،‭ ‬وسيارة‭ ‬للنزهات‭ ‬،‭ ‬و»مترو‮»‬‭ ‬يربض‭ ‬على‭ ‬قلبه‭ ‬،‭ ‬أمّا‭ ‬‮«‬السيلفي‮»‬‭ ‬فبلا‭ ‬شك‭ ‬سنأخذها‭ ‬على‭ ‬قبره حتى يريحنا ويرتاح‭.‬

كميل نصراوي

migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك رد