Rima Alzelaaحصري

خَفِّفْ من أحمالِكَ لتُحَلِّق”

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

جريدة المهاجرـ ريما الزيلع : حين ترمي حصاةً في البحيرة فإنّ ماءَها الرّاكدَ سيتأثر دون شك، وفي لحظة ومكان سقوط الحصاة سوف ترتسم حلقاتٌ عديدة، تبدأ صغيرة ثم تكبر شيئاً فشيئاً حتى تتلاشى وتنتهي إلى الزّوال.  

حقاً أنْ تمكّنتِ الحصاةُ من تحريك سطح الماء في البحيرة، لكنّ البحيرةَ في العمق بقيَت ساكنةً، هادئةً لم ترتبك، ولم تهتز .. ظلّت محافظة على سكونها الدّاخلي العميق.

يمكن أن نستعين بهذا المشهد في الحديث عن حالة (السّلام الدّاخلي) تلك الحالة التي ينشدها كلّ إنسان، القيمة التي تعَدّ من أعلى القيم، و من أرقى مراحل وعي الإنسان..

فالسّلام الدّاخلي حالةٌ من الهدوء والاتّزان والرّضا والسّكون والتفاؤل.. نستشعرها بداخلنا روحياً ونفسياً وجسدياً وكما يقولون: “تسعد بها ولو فقدتَ كلّ شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكتَ كلّ شيء”. وليس لاستشعار السّلام علاقة بما يحيط بنا من ظروف، فالأساس أن يكون العُمق فينا ساكناً هادئاً مهما اختلفت المعطيات، كما الحال في عمق البحيرة الذي يظل ساكناً، هادئاً مهما رَميْتَ فيه من حصوات.

قد تمرّ بنا ظروف صعبة، تجارب قاسية، مشاعر غير جيدة، فكيف نحافظ إذاً على السّلام؟.

يمكن أن نتعامل مع ذلك كلّه بوعي: نعترف بوجوده أولاً، نتقبّله ثانياً، ثم نسمح ثالثاً بأن نعيش المشاعر المرافقة له دون مقاومة أو هروب. فالمتاعب والمشاعر غير الجيدة و الظروف السيئة، كلّها حصوات أتفاعل معها في الخارج فأتّخذ ما يناسب من التدابير و الإجراءات، لكن مع الاحتفاظ بحالةٍ من السّلام. وهنا نشير إلى أنّ السّلام لا يُقصَد به الاستسلام، فالسّلام الداخليّ حالة شعوريّة عميقة تختلف بمفهومها تماماً عن الاستسلام.

لأن الحياة “تعطينا ماهو موجود بداخلنا أصلاً”، كان واجباً علينا تجاه أنفسنا أن نمنحها السّلام و أن نعيشه أولاً في الداخل (في قلوبنا وأرواحنا) حتى نجده في الخارج (في بيوتنا، ومجتمعاتنا)..

فمثلاً لا داعي لأن أفقد سلام روحي أمام تصرُّف قام به أحد أبنائي، قد أتظاهر بالغضب، و ربما أرفع صوتي قليلاً لو احتجت، لكن دون أن أفقد سلام روحي، بل أعطي الانتباه في تلك اللحظة لمشاعري فلا أسمح أن تتمدّد وتفقدني السّلام. و إذا درّبتُ نفسي على ذلك سأتمكّن من التحكم بمشاعري، ولن تستطيع المواقف والكلمات أن تستفزني بسهولة، سيكون تأثير كلّ ذلك خارجياً وأنا من الداخل في حالة سلام..

لا تخلو يا صديقي حياة الذين يستشعرون السّلام من المتاعب و الآلام، لكنّ الذي يميّزهم هو القدرة على إدارة هذه المتاعب، ومعالجة المشاعر التي تنتج عنها، فهم لا يهربون منها، ولا يقاومونها بل يعترفون بوجودها، ويعيشونها بوعي ودون مبالغة، ثم يسمحون لها بالمغادرة لأنهم يدركون أنها لن تفيدهم في شيء، بينما يفيدهم السّلام في كلّ شيء. 

للسلام الداخلي مفاتيح أولها: ما ذكرناه من تحرير المشاعر والأحساسيس، والتصالح مع المواقف والأحداث بدلاً من الهروب منها، أو التظاهر بنسيانها. وثانيها: التقبّل، بدءاً بتقبُّل الذات بإيجابياتها وسلبياتها، و وصولاً إلى  تقبُّل الآخر في اختلافه عنّا حتى لا يكون مصدراً للاستفزاز . فللآخر الحرية فيما يقتنع ويختار، وأنا أيضاً أملك حرية التّفكير والاختيار . وثالثها: التّسامح مع مَن آذاك وأغضبك، فالتسامح ليس هديةً للآخرين فحسب، بل هو هديّتك العظيمة لنفسك لأنّك بذلك تهدي إليها السّلام.

حين تعيش بسلام من الداخل فأنت حرٌّ أيضاً من الدّاخل. لا تنتظر حريتك أو سلام روحك من أحد ما في الخارج، إنك متحرّر من سيطرة الانفعالات و المشاعر السلبية، متحرّر من التعلّق، متحرّر من المخاوف والأمراض النفسية، ومُدرك لقيمتك في الحياة، ولأهمية دورك في نشر المحبّة و السّلام. فالشّعور بالسّلام الدّاخلي  سياجٌ يحميك من المواقف المؤلمة لأنّك مرتاح من الدّاخل تماماً، تتفاعل مع الأشخاص ومع الأحداث في الحياة لكن دون أن يغيّر ذلك من سلام قلبك و طمأنينة روحك.. إنّه فسحة بداخلك تمنحك شعوراً بالخفّة كي تحلّق لأنّك اتّخذتَ القرار الجيد بأن ترمي عنك جميع الأحمال، كما ورد في مقولة جميلة لجلال الدّين الرّومي:

 “خفّفْ من أحمالِكَ لتُحَلّق”

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً