fbpx
Connect with us

مقالات

خيانة ٌ تُـغـْـتَـفـَـرْ !

Published

on

المهاجر ـ حسام الصعوب : أغلق باب منزله خلفه كمن يغلق الباب في وجه الحياة ! وخلع معطفه المبتل بتثاقلٍ كأنه يخلع جلده عن جسده ، ليعلقه على كتف الحائط ، و كأنما يحضِّره سلفاً لارتدائه غداً مع ابتسامته المزيفة التي يرتديها إلى عمله ..

تقدم بخطواته المتعبة إلى غرفة الجلوس و كأنه يزور مقبرة أنيقة ! لا يوجد الشيء الكثير هاهنا ليراه ، فكل شيء كما كان و سيبقى ، و رتابة ُ المنظر الاعتيادي تُعفي عينيه من رفاهية النظر ..

اتخذ موضعه المعتاد ببطء ، سقط على أريكته جلوساً ، و أسلم مؤخرة رأسه للجاذبية مغمض العينين ..

لا قيمة للأقوال المأثورة عندما يخلو المرء إلى نفسه ! لا أثر يُذكر لكل مقالات التحليل و الدعم النفسي ! حتى ذلك المقطع الساخر الذي رآه اليوم وحاز على إعجاب الملايين ، يبدو الآن باهتاً عديم الطعم و اللون و الرائحة في الذاكرة المرهقة .. كل شيء يبدو واضحاً في لحظات تجرد الذات أمام نفسها ، فحتى أعذب الأصوات تصبح ضجيجاً ، و كل الأفكار تصبح لغواً لا قيمة له ، وتكون الحقيقة الوحيدة الراسخة في مركز الروح : _ نعم .. لقد تركتني وحيداً

فتح عينيه من الألم الذي اعتصر ذهنه في لحظة مرور هذه الحقيقة  ، اعتدل في جلسته ، و تطاولت يده لتسحب رفيقة يومه الدائمة في مثل هذا الوقت من على الطاولة القريبة ، تناول كأساً يجاورها ، و صب نبيذه القانئ على مهل ، فحتى عندما نتألم ، يكون من الأجمل أن نتألم في رقي ..

قرَّب الكأس من فمه و أراد أن يشتم رائحة النبيذ بعد رقصتين في اليد ، في طقسٍ لا مفر منه قبل الغرق ، فاشتم رائحتها !! ابتسم في حرقة ٍ و اعترف بصوت مسموع : _ حتى في رائحة النبيذ يا خائنة ؟!

كان قد أيقن بسببها ، أن أصعب أنواع الإدمان هو عطرُ امرأة ٍ معتق ٍ في ذاكرة الأماكن و الجسد ، قد تستطيع مغادرة الأماكن ! لكنك لن تستطيع مغادرة جسدك و عطرها ، إلا إلى الموت ..

أغمض عينيه حتى لا يرى النبيذ دمعته ، و تجرع على مضض رشفته الأولى ، كما لو أنه يستشعر طعم خيانتها في طعم الخمر المز ، و عاد ليسلم رأسه للجاذبية ..

_ لماذا أتيتِ بي إلى هنا إذا كنتي ستتركينني ؟!

تكلم و هو يعرف تماماً ، أن كل قطع الأثاث في مقبرته الأنيقة لا تملك جواباً !

فتح عينيه ليعاين السقف ! فابتسم في مرارة و رفع رأسه ليواجه كأس النبيذ الذي ينتظره ، تذكر في ومضة من الأسى ، كيف كانت تداعبه عندما كانا يتكلمان مكالمة فيديو على الهاتف قبل أن يأتي إلى كندا ، بأن تجعل كاميرا الموبايل باتجاه السقف لتعاقبه ، كانت تحرمه من رؤية وجهها كمن يحرم مؤمناً من رؤية وجه الإله ! شرب رشفة ً في صحة هذا الخاطر .. و جال بنظره على قطع الأثاث الوادعة في صمت كشواهد للقبور ، و شرب رشفةً أخرى في صحة الوداع ..

في كل زاوية ، يحفظ الزمن لها صورة في البال ، هنا جلست ، هنا وقفت ، هنا استلقت إلى صدره كطفل في انتظار اللبن ، هنا فرحت ، هنا رقصت ، هنا نبعت من بَحْرَيْها دمعة ٌ عندما أهداها خاتماً من أول أجر يحصل عليه .. و بسرعةٍ .. تتغير الابتسامة في عينيه ليعبرها الأرق ، و تتغتير طعم الذكريات في الفم ، و تتبدل الكلمات : هنا غضبتْ ، هنا انفعلتْ ، هنا قالت بأنها لا تستطيع العيش في سجن الرجال ، هنا صرختْ ، هنا اكتأبت ْ ، هنا ألقت بكل ذنوبها على كتفيه كما لو أنها راهبة ٌ خُطِبَتْ إلى دجال !

حرك رأسه في عنف يميناً و يساراً  كأنه يخليه من ضجيج الذاكرة ! و أفرغ الكأس في جوفه انتقاماً ، ثم طأطأ رأسه في صمت ..

لعلنا نستعيد ذكرياتنا الجميلة أولاً لأنها تهدينا النشوة ، و نستتبعها بالمريرة منها حتى نستيقظ ، تماماً كفنجان القهوة السادة مع رائحة الياسمين !

_ لقد أهدتني حياةً جديدة ً ثم رحلت ..

خاطب ذكريات المكان وهو لا يزال مطأطئ الرأس و كأنه خجل منها ! فقد كانت شاهدة عليه ! كانت بحرية العينين _ كما اعتاد أن يسميها _ تُنهي كل خصومةٍ بأمل جديد ! وكأنها الحياة بكل مافيها من معنى ، متجسدة في أنثى !

تذكر في غفلة من الألم و كطقس يومي في مثل هذا الوقت ، كيف استقدمته إلى هنا في عجاف سنين الحرب في بلده ، تذكر كيف كانت تلقمه كلمات اللغة الجديدة كشهد يستطاب عندما يخرج من بين شفتيها ! تذكر كيف كان صدرها قبراً لكل مخاوفه ، و تذكر كيف كان ثغرها مهداً تنام لهدهدته كل هواجسه ..

يحبها ! نعم هو لا يزال يحبها ، على الرغم من رحيلها يحبها ، لم يعد لشجارهم الأخير ذلك الطعم المالح في جوف الحلق ، فقد استبدله بطعم العسل ، عندما عادت إليه في ذات اليوم ، و أهدته الكثير من الرحيق ..

_ لماذا تركَتْنِي إذا كانت تحبني !!

صرخ فجأة ً ، فارتعدت شواهد قبور غرفة الجلوس ! وقف و رماها بالكأس الفارغ في يده كأنه يريد منها الخروج عن صمتها ، لكن عبثاً ، فآخر ما سمعه كان صوت الزجاج المتألم لفراق بعضه ، معلناً نهاية ليلة أخرى من العتب !

هدأ لمعرفته بأن الحصة اليومية قد انتهت ، و كرجل نبيل ، أعاد رفيقته بهدوء إلى طاولتها ، و انسحب إلى غرفة نومه متمتماً :  لعنة الله على الكورونا ..

فيما بقيت صورة ٌ لبحرية العينين ، وادعة ً تحتل صدر حائط غرفة الجلوس و الذكريات ، و تتزين على زاويتها العليا بشريط ٍ أسود ٍ ليس للزينة .

اقرأ أيضاً :

ليلة في كيبيك !

حصري