حصريكندا من الداخل

“المهاجر” تكشف عمليات احتيال بملايين الدولارات

بداعي اللجوء إلى كندا ضحاياها مئات العائلات السورية

جريدة المهاجر the migrant

جريدة المهاجر ـ كميل نصراوي : لم يعلم السوريون الذين فرّوا من بلادهم بسبب الحرب من أجل الحفاظ على حياتهم  وتأمين مستقبل أطفالهم ، أن جنسيتهم السورية أوقعت الكثير منهم في براثن “تجّار حرب” من نوع آخر  يعيشون في كندا ، وأذاقوهم مرارة خسارة أموالهم وأحلامهم ولبعض منهم أسرهم وأطفالهم .

عذابات الحرب التي هرب السوريون من جحيمها تلقّفها “مستشارو هجرة” يعلمون جيداً أن السوري أينما

حلّ وفي أي بلد كان ، سيدفع الغالي والرخيص من أجل “حلم” اللجوء إلى كندا ، والنتيجة كانت ضياع

الأموال وتبديد الوقت والأحلام ، بعد رفض وزارة الهجرة الكندية طلباتهم لأسباب لا تتعلق مطلقاً بعدم

أحقيتهم باللجوء وتحقيق شرطه القانوني وإنما بسبب عمليات احتيال منظًمة أبطالها “مستشارو هجرة”

وجمعيات تسمى “خيرية” لكنها لا تحقق الشرط الأدنى لما سميت وتأسست من أجله. 

جريدة “المهاجر” تواصلت مع عشرات العائلات التي رفضت طلباتها مؤخراً وزارة الهجرة الكندية، وأطّلعت

على عقود كثيرة أبرمت بين مكاتب بعض مستشاري الهجرة وهذه العائلات، وعلى قيمة ما تم دفعه كـ

“أتعاب” لهؤلاء وهي مبالغ تترواح بين 7500 دولار وتصل إلى حدود تتعدى 15 ألف دولار للطلب الواحد.

وبعملية حساب بسيطة نرى أن مكتباً للهجرة مقره في العاصمة “أوتاوا” ومنظمة “خيرية” في نفس

المكان إضافة إلى مكتب آخر في مدينة “ميسيساجا” وجميعة ” خيرية ” أخرى قد ساهموا بتقديم مئات

الطلبات وكانت حصيلة “أتعابهم” فقط ملايين الدولارات ، دفع ثمنها من يستحق اللجوء وذهبت إلى جيوب

من ساهم في حرمانهم من هذا الحق .

الصدمة التي أحدثها رفض وزارة الهجرة لطلبات مئات العائلات أصابت البعض بمقتل . منهم من تعرض

لسكتات قلبية نتيجة فقدان المال والأمل، ومنهم من بات يعاني من أمراض مزمنة كارتفاع السكري ،

ومنهم من انفصل عن زوجته وفقد ماله وعائلته وأطفاله ، ومنهم من لا يزال يعاني الأمرّين لإسترجاع قيمة

كفالة لجوئه وهي مبالغ ليست قليلة وتصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 30 ألف دولار حسب تعداد

أفراد كل أسرة .

كيف بدأت القصة ؟

في العام 2016 أصدرت وزارة الهجرة الكندّية قراراً أعفت بموجبه السوريين من شرط الحصول على ورقة

التسجيل في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين “UNHCR ” وذلك لتسهيل تقديم طلباتهم

للجوء إلى كندا . استغلّ بعض مستشاري الهجرة هذا القرار وبدأوا باستهداف العائلات السورية المستقرّة

في دول الخليج العربي،عبر إعلانات مدفوعة الثمن تروّج لخدماتهم بتسهيل إجراءات الهجرة إلى كندا عبر

“الفيس بوك” ووسائل التواصل الإجتماعي. أما البعض الآخر فقد استعان بمعارفه بكندا لإرشاده إلى

مكاتب هجرة ذات مصداقية للبدء بمرحلة تقديم طلبات الكفالة الخاصة أو الخماسية.

يقول “منير”  لـ “المهاجر” ” عند تواصلي مع أحد هذه المكاتب طالب بأتعاب في البداية تصل إلى 8000

دولار يدفع منها عند التوقيع 1500 دولار و5000 آلاف عند استلام ما يعرف بـ ” G NUMBER  ” وهي المرحلة

التي تشير إلى استلام الطلب رسميا من وزارة الهجرة إضافة إلى 1500 دولار عند المقابلة في السفارة

الكندية . ونتيجة للإقبال الكبير من السوريين على تقديم طلبات الكفالة رفع المكتب أسعار أتعابه لتصل

إلى 10 آلاف دولار “.

ويضيف ” لم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل فرض علينا أن ندفع ما أسماه حينها المكتب ” تبرعاً ” للجمعية

غير الربحية التي تتولى مسألة متابعة ملفنا وتقديم خطة التوطين لوزارة الهجرة وبمبلغ قيمته نحو 2000

دولار تزيد حسب عدد أفراد الأسرة ، بمعنى أن أسرة مؤلفة من زوج وزوجة وطفلين عليهم دفع 4000 دولار

كتبرع للجمعية!!”.

ورداً على سؤال حول سبب موافقته على توقيع عقد مع مستشار هجرة يفرض كل هذا الرسوم

و”التبرعات” أجاب ” لم يكن لدينا خيار آخر . إما قبول العقد بكامله أو رفضه بكامله . لم تكن هناك مرحلة

مفاوضات لتوضيح العقد أو لتحسين شروطنا فيه . من وضع العقد هو مستشار الهجرة وغالبية البنود فيه

كانت لصالحه وليس لصالحنا”.

بعض العائلات السورية التي استقرت في كندا مؤخراً، استعانت بمستشاري الهجرة لتسهيل عمليّة تقديم

طلبات أحد أفراد عائلاتهم، لكنها لم تكن تعلم أن طلبات الكفالة التي تهافت السوريون على تقديمها ،

تتطلب وجود جمعيات غير ربحية معترف بها رسميا ولديها اتفاقيات موقّعة مع وزارة الهجرة وهو ما يعرف بـ

) Sponsorship Agreement Holders ( و مؤهلة لتقديم “خطة استقرار” واضحة ورسمية تشرح فيها

لوزارة الهجرة كيف يمكن لهذه الجمعية أن تساعد في استقرار اللاجئ الجديد وتأمين مستلزمات إقامته

بدءاً من استقباله في المطار إلى استخراج الأوراق الرسمية اللازمة له والمساعدة في إيجاد مسكن

وتسجيل الأطفال في المدارس والإشراف على تحويل قيمة الكفالة المادية شهرياً إلى كل لاجئ إضافة

إلى خدمات ضرورية يحتاجها كل مهاجر جديد.

“تواطؤ بين المستشار وجمعية خيرية لإقتسام الأموال”

بعض مستشاري الهجرة سافروا إلى دول الخليج العربي ووقّعوا عقوداً مع عائلات سورية هناك ، ومن ثم

قاموا بتقديم المئات من الطلبات إلى وزارة الهجرة بعد دفع كل التكاليف من قبل هذه العائلات السورية،

وأحالوا معظم هذه الطلبات إلى جمعيات خيرية بعضها معتمد من وزارة الهجرة ، ولكنها لا تستطيع تقديم

“خطة استقرار” واضحة المعالم لعشرات بل ومئات العائلات التي ستستقبلهم كندا، وبعضها الآخر غير

معتمد من دائرة الهجرة ولا يملك الخبرة الكافية لتأمين هذه الخطة أو تهرّب من تقديمها لعدم اكتراثه

بمتابعة الموضوع أصولاً مع وزارة الهجرة.

يجزم “منير” ” أن هناك تواطئاً وتقاسماً للأموال التي دفعت بين مستشار الهجرة الذي تعامل معه

والجمعية الخيريّة التي حوّل المستشار طلبه وطلب المئات غيره إليها . العقد بيننا وبين المستشار كان

يتضمن أن يجد لنا منظمة أو جمعية تكفل طلباتنا . ولأن العدد الذي تقدم عن طريق مكتبه كبير جدا ولا

تستطيع أي جمعية القيام به لوحدها، فقد تم إقناع أحدهم بتأسيس جمعية في العام 2016 وأخذ حصّة

من الأموال التي جمعها منا . الجمعية التي تأسست ليس لديها أي خبرة بالتعامل مع قضايا اللجوء ولدينا

ما يكفي من الأدلة على ذلك” . ويضيف “الرفض الذي جاء من وزارة الهجرة كان بسبب عدم اقتناع الوزارة

بمصداقية هذه الجمعية وقدرتها على التكفل بوضع خطة استقرار لمئات العائلات ، وهو أمر تعجز عنه

منظمات كبيرة وليس جمعية تأسست على عجل. لو قدمت هذه الجمعية خطة استقرار واضحة لكنّا الآن

في كندا ، لكنهم لم يكترثوا إلا لتحصيل أتعابهم ولا يعنيهم إن تم رفض طلباتنا”.

مستشار هجرة آخر في مدينة “ميسيساجا” استلم عشرات الملفات وقد رفضت جميعها للسبب نفسه

وهو عدم قدرة الجمعية التي تحولت إليها الطلبات عن تنفيذ التزاماتها بتقديم “خطة استقرار” إلى وزارة

الهجرة . “أتعاب” المستشار التي تعدّت مئات آلاف الدولارات أخذت بالكامل من هذه العائلات وتم رفض

طلباتهم جميعاً.

أحد المتخصصين في قضايا اللجوء والهجرة قال ” الجمعية الخيرية في كندا نوعان : نوع معترف به من قبل

الدولة ونوع غير معترف به. أي جمعية خيرية لا تعترف بها كندا إلا بعد تأسيسها ومراقبة نشاطها لمدة 3

سنوات . وبناء على ذلك فالجمعيات المعترف بها قدمت طلب لجوء لعدد من العائلات و استقدمتهم حسب

القانون لأنها مراقبة أصلاً من الدولة وسمعتها الجيدة معروفة. بقي الجمعيات التي تأسست على عجل

وتتألف من شخصين أو أكثر وهم لا يفقهون شيئاً في قضايا اللجوء” .

وأضاف ” الطلبات كانت تملأ بشكل غير دقيق ومستشارو الهجرة المعنيون لم يكونوا يراجعون الطلبات قبل

تقديمها وتجاهلوا عن عمد عدم إعلام مقدّم الطلب عن بعض شروط برنامج اللجوء القانونية إضافة إلى

وضعهم شروطاً مخفية في العقود تقضي بعدم إرجاع أي مبلغ في حال تم رفض الطلب”.

يوافق “أحمد” وهو واحد ممن رفضت طلباتهم على ما سلف و يقول ” المشكلة لا تتعلق بتحويل مئات

طلبات الكفالة إلى جمعيات صغيرة نسبياً وغير مؤهلة وإنما في إخفاء مستشار الهجرة عمداً معلومات

مهمة حول برنامج الكفالة ومراحله وتفاصيله وهو أمر مخالف للقانون . نحن دفعنا أموالاً كبيرة حتى يقدّم

لنا استشارة قانونية وحقيقية عن برنامج الكفالة ، لكنّه زودنا بمعلومات مضلّلة ، حيث كان يقول للجميع أنه

بمجرد الحصول على الـ ” G NUMBER ” من وزارة الهجرة يعني أن الطلب تم قبوله ، وأن باقي الإجراءات

هي روتينية وكان هدفه من ذلك أن يقبض الدفعة الثانية من أتعابه . لم يذكر لنا مطلقاً أنه يمكن للطلبات

أن ترفض بسبب الجمعية أو لأي سبب آخر”.

لم تقتصر خسارة المئات من العائلات أموالهم وحلم انتقالهم إلى كندا، وإنما تجاوزته إلى ترك آثار صحيّة

ونفسية واجتماعية تسبّبت في تفكّك أسر بكاملها . تقول “هدى” ” انتظرنا لسنوات وخسرنا أموالنا

وزوجي تعرض لذبحة قلبية نتيجة رفض طلبنا . كانت كندا بالنسبة لي ولزوجي وأطفالي بمثابة حلم

وتحولت إلى كابوس .صحيح أننا نعيش بالسعودية ، لكن مستقبل العائلة غير مضمون إطلاقاً وخاصة في

ضوء التضييقات التي يعاني منها السوريون في كل مكان.إذا صدر قرار بترحيلنا إلى أين نذهب ؟”.

 

مأساة هذه العائلات لم تنته فصولها حتى الآن، وقد استمعت “المهاجر” إلى تسجيل صوتي لرئيس إحدى

الجمعيات “الخيرية” يهدد فيه عشرات العائلات بعدم إرجاع قيمة الكفالات التي دفعتها كل عائلة إلا بعد

موافقتها وتعهّدها بعدم رفع دعوى قضائية على جمعيته “الخيرية” في كندا !! هناك عائلات تم إرجاع قيمة

الكفالة إليهم وهناك عائلات أخرى لا زالت عرضة للإبتزاز والإنتظار.

يقول “منير”  لا أحبّذ إعطاء أي فكرة عني شخصياً أنني وقعت ضحيّة، لكني أؤكد من خلالكم أننا لن نسكت

عن حقوقنا وعن الضرر المادي والنفسي الذي تعرضنا له …نؤمن بعدالة القانون في كندا ونؤمن أننا

أصحاب حق ولنا أولوية في اللجوء ولن نسكت عن ذلك”.

كم هو مؤلم إلى حد البكاء حين نرى أن الكنديين يفتحون قلوبهم لإستقبالنا وتسهيل حياتنا، بينما “أبطال”

عمليات الإحتيال هم مستشارو هجرة ومدراء جمعيات خيرية من أصول عربية من أبناء جلدتنا، ويمتهنون

نهش أحلام ضحايا الحروب ويعتاشون بثراء على حساب آلام وأحزان المستضعفين.

ملاحظة : تم استخدام أسماء مستعارة لمن أدلوا بشهاداتهم تلبية لرغبتهم الشخصية في عدم تأثير نشر

التحقيق على إمكانية تحصيل حقوقهم المادية من مستشاري الهجرة والجمعيات التي تكفّلت بطلباتهم .

و”المهاجر” لديها كل الوثائق والتسجيلات التي تدعم كل ما جاء كاملا في مضمون التحقيق .

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

تعليق واحد

اترك رد