الإثنين, مايو 21, 2018
Mohamed Fetaih

المصريون بين السحر والخرافة

نشأتي في حي شعبي “السيدة زينب” خلاني اشوف حاجات غريبة مش ممكن حد ساكن في الزمالك او وسط البلد يشوفها. أمي كانت بتاخدني أصلي في جامع السيدة، كنت ب اردد الفاتحة وسور القرآن بشكل آلي وانا مشغول البال بهؤلاء الفقراء والفلاحين والفلاحات والقادمين من اقاصي الصعيد الذين يقبلون الضريح ويبكون طلبا لشفاعة او درأً لمرض او طلبا لحمل في صبي، يرث البؤس والعوز والفاقة من بعدهم، حتى لا يطلقها زوجها؟ في نفس الوقت انظر إلى صندوق النذور الذي يمتلأ كل يوم حتى يفيض من أموال الغلابة، الذين نخرت اجسامهم دودة البلهارسيا، والذي يحصده إمام الجامع السمين ذو البشرة البيضاء واليد الناعمة الملساء من قلة العمل وتشاركه فيها وزارة الأوقاف؟ وافتكرت نكتة الراجل اللي سأل شيخ الجامع بتعملوا ايه في فلوس النذور: قال له أنا بأرمي الفلوس لفوق واللي بيفضل فوق ده لربنا والي بينزل على الأرض ده حلالي؟؟

الحادثة الثانية حصلت قبل ما نهاجر كندا المدير العام في إحدى مؤسسات وزارة الكهرباء وهي وحاصلة على درجة الدكتوراه في الهندسة واحد الشخصيات المعروفة بقدراتها الفنية الرفيعة (ومسؤولة عن القسم الذي كانت تعمل فيه زوجتي) اتصلت بزوجتي وقالت لها عاوزة اكلمك في موضوع؟ الموضوع طلع انها رايحة لشيخ (كل الناس بتقول ان سره باتع) عشان يفتح المندل وتعرف إذا كان جوزها بيعرف واحدة تانية؟ وطلبت من زوجتي أن تصاحبها “لو تحبي تعرفي إذا كان جوزك يعرف واحدة تانية؟ زوجتي اعتذرت بلباقة وجت حكت لي.

الحادثة الثالثة حصلت معي في مقابلة مع رئيس مجلس إدارة شركة الجمهورية للمقاولات وكان فيه مناقصة على مشروع إنشاءات بحوالي ٣٠ مليون جنيه وكنت مع صاحب شركة مقدمة عرض كمقاول من الباطن لشركة الجمهورية وسألنا عن اخبار المناقصة وتركيبة الأسعار وحسابات تغيير صرف العملة وأيضا معادلات تغير المواد الخام والمعادلات اللي قدمناها لتفادي التغيرات فيهما وأيضا قدمنا بدائل للمواد الخام تفوق المواصفات القياسية لكن بسعر اعلى. كان الرد “انا عملت استخارة بعد صلاة الفجر واخترت عرض من أحد العروض الثلاثة اللي قدمها لي المسؤول عن العطاءات”. طبعا احنا صعقنا بالرد ولم يقل لنا الأساس الذي اختار به العرض ولا المواد الخام التي سيستخدمها والتي كانت تمثل ٣٠٪ من المشروع؟

الخيط الواصل بين الحوادث الثلاثة هو الإيمان بالسيطرة الخرافية على الواقع والتحكم السحري في المصير، وهما آخر ما يتوسلهما الأنسان المقهور عندما يعجز عن التصدي والمجابهة قبل ان ينهار ويستكين. ويتناسب انتشار الخرافة والتفكير السحري طرديا مع شدة القهر والحرمان وتضخم الإحساس بالعجز وقلة الحيلة وانعدام الوسيلة وهي تزدهر في عصور الانحطاط واستفحال التسلط وما يصاحبها من تفشي الجهل والعوز وبالتالي يلتمس الناس النتائج من غير أسبابها فينتشر النصابون مدعي القدرة على رؤية المستقبل وتتحول الي تجارة رائجة في أوساط البسطاء ليسلبوهم القليل الذي يملكونه على أمل تحقيق امنيه. وطبعا تشجع حكومات الاستبداد هذه الممارسات كرعاية المقامات وذوي الكرامات والطرق الدينية ولو اسعدك الحظ مثلي وحضرت مولد السيدة زينب ورأيت فقراء الريف والصعيد يأتون زرافات ويمكثون أياما في خيام بالية وحصير ينامون عليه لعرفت حجم المأساة التي تعيشها مصر.

في الحادثة الاولى اجدني متعاطف مع هؤلاء الفقراء الذين حرمهم حكامنا من نعمة العلم فكتب عليهم ان ينبشوا في غياهب الخرافات والاساطير بحثا عن دواء لهم او لأولادهم او حمل لصبي يمنع طلاق الأم بعد خلفة البنات. اما ان تلجأ من تحمل درجة الدكتوراه للخرافات والحلول السحرية خوفا من هجر زوجها (كان ضابط في الجيش) وهي اعلى منه مرتبة وتحصل على ثلاثة اضعاف دخله وسافرت الي أوروبا وامريكا ومثلت مصر في بعض مؤتمرات الامم المتحدة فهذه مأساة؟ أما الحادثة الثالثة فهي كارثة، فقد تغلغل التفكير الغيبي ليس فقط في المجال الخاص للأفراد بل تعداه الي اعلي رأس في المؤسسات الهندسية التي أصبح اتخاذ القرار فيها مبني على الاستخارة وليس الارقام والمعادلات والحسابات؟

ويأتي دور الأزهر ليؤصل التفكير الغيبي؛ فقد اتحفنا شيخ الأزهر بعد حرب ٧٣ “ان أحد الصالحين رأى ملائكة تحارب مع قواتنا المسلحة” وبذلك يكون كل الاعداد للمعركة والطرق العلمية لسلاح المهندسين لضرب خط بارليف وشجاعة الجندي المصري في القتال لا أهمية لها وأن النصر جاء من قوي خارجية!! وطبعا انهالت النكت المصرية تسفيها لحلم هذا الصالح واستشهاد شيخ الازهر به واظرف نكتة كانت ان إسرائيل اسرت اثنين من الملائكة وفكوا سرهم!!.

وحين نشاهد المأساة الملهاة في تصريح الرئيس الفاشل انه “لن يصرح بخطته حتى لا يحسدها اهل الشر” او ان يصرح الفريق مفيش ان “مليار سفينة عبرت قناة السويس” لتدرك ان الفكر الغيبي والسحري قد تأصل في نفوس كثير من الشعب المصري، متعلمين وجهلة، وأصبح العداء للعلم وللمنطق هو ما تبثه أجهزة اعلام نظام العسكر الاستبدادي لأدركنا حجم المصيبة التي تعيشها مصر.

هذه ليست دعوة لليأس ولكن دعوة للتفكير في الخروج من هذا الدرب المظلم الذي وضعنا فيه تحالف العسكر والإسلاميين

جريدة المهاجر the migrant

اترك رد