Rima Alzelaaحصريمقالات

القبولُ حالةٌ ترتاحُ بها روحُ الإنسان و تَسْلَم

OLYMPUS DIGITAL CAMERA
جريدة المهاجر the migrant

ريما عايد الزيلع ـ جريدة المهاجر : إنّ القبولَ أو (التقبّل) بوابةٌ نَعبر من خلالها إلى عالم ٍ ملؤُه السّلام والارتياح في علاقاتنا مع الآخرين، بل يُعَدُّ من أهم بوابات سلّم الوعي بشكل عام.

إنّه يعني التّناغم مع الناس دون إخضاعهم لأجندةٍ ما، والتّعامل مع ما لا يعجبنا فيهم بمشاعرَ محايدة ٍتماماً لأنّ المحبّة المُطلَقة اللامشروطة والقبول اللامشروط أساس العلاقات الإنسانيّة المتوازنة

 يعني ذلك أنّني – وقبل كلّ شيء – أحبّك وأنتمي إليك كإنسانٍ مثلي خلَقني وخلقك إلهٌ واحد، وأقبلُك كما أنتَ لأنّ الله يقبلُنا بكلّ حالاتنا وصفاتنا، ويفتح أبواب رحمته لنا جميعاً. لذلك فمن الطبيعي أن يرحمَ ويقبل كلٌّ منّا الآخر .

إنّ روح الإنسان تطلبُ القبول، لذلك فإنّنا نطمئنّ ونرتاح لمَن يتقبّلُنا ويحبُّنا كما نحن: بقوتنا وضعفنا، بنجاحاتنا وإخفاقاتنا، بإيجابيّاتنا وسلبياتنا “هكذا ومن دون شروط”، لكنّ الذي يحدث أنّ الكلَّ يحاول أن يغيّر في الكلّ ويضع شروطاً لتقبّله.. “بوعيٍ منّا بذلك أو بعدمه” هذا ما يحدث في حياتنا باستمرار و يفسد علاقاتنا مع الآخرين:

فالزوج يريد أن يغيّر في الزوجة

والزوجة تريد أن تغيّر في الزوج

الأهل يريدون أن يغيروا في الأبناء

والأبناء يريدون أن يغيروا في الأهل

والجار يريد أن يغيّر في الجار

والشعوب تريد أن تغيّر في الشعوب.. هكذا الحال مع غالبية الناس كلّ فرد منهم يريد أن يغيّر في الآخر، بينما لو سلك معه سبيل القبول لسَمَحْ لنفسه وله بالتطوّر والنّمو، وسمح لظروف وأحداث ٍ جديدة أن تتدفّق في عالمه بلطف وانسيابية دون أدنى جهد. 

القبول قوّةٌ عظيمةٌ بها ومعها تشعر بحبٍّ حقيقي لكلّ الناس، تتفهّمهم وتلتمس لهم العذر، وتكونُ بسيطاَ غيرَ متكلّف في تعاملك معهم، وكلما كنت متقبِّلاً للآخرين كلما سمحت َ للمعجزات أن تحدث في حياتك، وسمحتَ للكونُ أن يرتّب كلّ شيء من حولك لتنعم بالسلام والرّاحة، ويتبدّد كلُّ صراع ٍ تعيشه مع الآخرين كما يتبدّدُ السّحاب عند شروق الشمس.

يمكن أن نقول في أبعاد أخرى للقبول:

أولاً: عندما نتقبّل الآخر نسمح له بمساحة من الحرية تجعله يحاسب نفسه ويسعى لتطوير شخصيته وتغيير مافيها من سلوكيات خاطئة، في حين أنّ كثرة انتقاده والصراع معه ورفضه يزيد المسافةَ بيننا وبينه ويخلقُ مشاعر النفور والكره التي ستصله مهما حاولنا إخفاءها، أجل إنه سيشعر بها لأنها طاقة تتحرك تجاهه، والفرقٌ كبيرٌ جداً بين القبول بحبّ وبين محاولة إخفاء مشاعر عدم القبول أو (الرّفض) كالفرق بين الحقيقة والزّيف.

ثانياً: مَن يتقبّل الآخر فهو المستفيد، هو الذي سيرتاح، وإذا لم يتقبّله فإنه يعيش بمشاعر ذات طاقة منخفضة لكثرة الانفعال والجدال والتذمّر  من الآخرين، تلك المشاعر السلبية تُضعفه، وتفسح المجال للآخر ليسيطر عليه ويسلب منه طاقته أكثر وأكثر. وقد أخبرَنا علماء التنمية والوعي بأن القبول قوة للتحرّر حين قالوا: (عندما تتقبّل الآخر فإنك تُفقده السّيطرة عليك( .

لسنا مضطرّين لنجعل حياتنا أشبه بمحكمة ننظر من منصّتها إلى الآخرين على أنهم خطّاؤون ومتَّهمون وبحاجة للإصلاح، ولن ينفعنا بشيء إن أرهقنا أرواحنا بالتركيز على سلبيات الآخرين.

 ولا ننسى أن الحياة أقصر من أن نعيشها بتوتر مع المحيطين بنا، وأنّ التّغيير لن يتحقّق إلا بنيّةٍ صادقةٍ منهم وبإرادة من ربّهم، فكلّ شيء في هذا الكون يحدث في الوقت والمكان المناسبين. 

من الممكن لأحدنا أن يعطي الآخر أفكاراً عن الإيجابية لكن لا يمكننا إجباره على أن يكون إيجابيّاً لأنه سيعيش تجربته في الحياة وسيكون إيجابياً في الوقت والمكان المناسبَين بحسب درجة تطوّره ووعيه.

يكفي أن تغيّر نفسك أولاً لينعكس تغييرك على الآخرين لاسيّما المقرّبون منهم، فالآخرون مرآةٌ لنا  وانعكاس لصورتنا الحقيقيّة التي نكون عليها، وإما أننا لا نعلمها عن ذاتنا أو نعلمها ونحاول تجاهلها طوال الوقت.

 فإن كان الآخر يقسو عليك فربما لأنّك تقسو على نفسك 

وإذا كان الآخر يستغلّك فربما لأنّك لاتقدّرُ نفسك بالشكل الكافي

وإذا كان الآخر يظلمك فربما لأنّك تحبّ أن تعيش دور الضحيّة

وإذا كان الآخر لا يصدقك القول فربما لأنك تضيّق الخناق عليه

وإذا كان الآخر يتهرّب منك فربما لديك تعلُّق تبالغ  في تعلّقك به. 

نماذج كثيرة على الانعكاس يمكن أن نلخّصها بعبارة: (الآخر مرآةٌ تعكسُ ما بداخلي( .

اجلس مع ذّاتك، حدّثها، اكتشفها، حرّرها من شروط المحبة والقبول، ثمّ ابدأ رحلتك في التغيير لتصنعَ لنفسك عالماً خاصاً بك.. لاعليك من الآخر، حين تتغير سيتغير وإن لم يتغير فهذا شأنه (أنتَ أنتَ والآخرون هم هم) هذه واحدةٌ من أساسيّات العيش بسلام.

من المهم أن نبجّل كل إنسان وأن نقدّر تجربته في هذه الحياة، ونحترم عقليّته وعاداته وسلوكياته لأنّه من خلالها يعيش هذه التجربة الأرضيّة التي أرسله الله لأدائها، وربما نستغرب إذا علمنا أنّ كلّ قولٍ ٍ وكلّ سلوك مهما كان من وجهة نظرنا خاطئاً أو صحيحاً، قبيحا أو جميلاً، بسيطاً أم عظيماً.. له أثره في ترتيب هذا الكون، والله أعلم منّا بذلك.

ختاماً، لاننكر أن هناك مَن يحاول مساعدة الآخرين على التّغيير بوعي ٍ يترافقُ مع الشّعور بالقبول واحترام مشاعر الآخر وكينونته مهما كانت صفاته. إنّها محاولاتٌ جميلة نقدّرها ونقبلُها بكلّ الحبّ.

 من شُرْفَة القبول ألقيتُ عليكم السّلام..

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك رد