fbpx
Connect with us

مقالات

الرحيل ُ مرة ً واحدة

Published

on

المهاجرـ حسام الصعوب : طاولة ٌ و فنجانان من القهوة و البعض من السجائر ، بعضها احترق و البعض الآخر ينتظر الاحتراق ، تلك كانت المسافة الفاصلة بين حُلمين !

مرّ بعض الوقتِ على جلوسهما في المقهى ، أحدهما كان يحلم بالأمان و الآخر كان يحلمُ لمجرد الحلم ! من الغريب ِ و المبررِ في آن معاً أننا نحتاج إلى الأحلام ِ كما نحتاج ُ إلى الهواء ! كذباً يُقالُ بأننا نعيشُ أولاً ثم نحلم ! فنحن نحلمُ حتى نعيش !

ابتسمَ في هدوء ٍ لفكرتِه الفلسفية ، و أطفأ سيجارته السابعة ، شَبَك يديهِ و استند بذقنه إليهما ، و أمعن النظرَ فيها و هي تشيحُ نظرَها عنه تارة ً و ترمقُهُ بنظرة ٍ برية ٍ تارة ً أخرى !

_ إلى متى ستبقى صامتاً أخبرني ؟! ألم يعجبك َ سؤالي حتى لُذتَ بالصمت ؟!

تَمَعَّن فيها أكثر و هي تُقَلِّبُ نظرها بين عينيه و بقية التفاصيل في المقهى ! كما لو أن عينيه جزءٌ من المكان ! كان يعلم ُ بأن الصمت هو أقسى أنواعِ الأجوبة ! فلاشيء يفتحُ أسوأ الاحتمالات على مصراعيها في ذهن السائل ِ أكثر من السكوت ، ليسَ الصمتُ دليلاً على الرضى في مَعْرضِ الاتهام بين عاشقين ، بل هو قرينة ٌ على احتمال وجود ِ جُرْمٍ أكبرْ !

_ ألا تريدُ الكلام ؟ ( نَظرَتْ إلى ساعتها التي كانت هدية منه ) لقد مرت ساعة ٌ و نحن هنا ! ولا زلتَ تمتنِعُ عن إخباري ما الذي يجري بينكَ وبين َ تلك الفتاة !

ابتَسَمَ ابتسامة ً صفراء و فكَّ اشتباك يديه ، و أسندَ ظهرهُ إلى الكرسي مستعداً لإشعال سيجارته الثامنة ! أطلق الدخان في الهواء كمن يطلقُ رئتيهِ من مكانهما و راقَبَها و هي تضربُ يدها على الطاولة بتواترٍ كأنها تعزفُ لحن َ القلق ! كان لابتسامته طَعْمٌ مرٌّ بين شفتيه ! وكأنما للخُذلانِ طعم ! فقد كان َ لقاؤهما سابقاً لا يُقاسُ بوحداتِ الزمنِ المعروفة ! فمرةً التقاها لمدة تنهيدتين و ثلاث ابتسامات ! و مرة ً التقاها لضحكتين و ابتسامة ٍ و خَجَليْن ! و كانت المرة ُ الأجمل التي التقيا فيها لمدة قبلة ٍ واحدة ! من أين أتَتْ بكلمة ( ساعة ) ؟! ربما يقعُ اللومُ عليه لأنه أهداها هدية لم يتخيل أنها ستسخدمها ضده !

وَصَلت الأمور إلى حدِّها معها ، لم تَعُد تطيقُ هذا الاستفزازَ الصامت ْ ! وقررَتْ أن تبوحَ بكل حكاياتِها دفعة ً واحدة ! فهو ليس شهريار ! و هي شهرزاد و السياف ُ في آن ٍ معاَ !

_ انظرْ إلي ، أنا أعلمُ أن مجال عملِكَ في ترميم البيوت القديمة و زخارف جدرانها ، يجعلُ احتمال التقائك بالسياحِ أمراً عادياً ، وقد تحملتُ الأمرَ و تجاوزتُه لأنكَ كُنتَ تُخبِرُني في كل مرةٍ تلتقي فيها أحداً من زبائنك ! لماذا لم تُخبرني هذه المرة بأنك ستخرجُ للقاءِ تلك الكندية ؟!

فجأة ً تغير َ مُخططهُ و قررَ الاستجابة ! فحتى عندما نتخذ ُ قراراً صارماً بالصمت ، قد تَلْمَعُ أمامنا كلمة ٌ كجمرةٍ هزتها الريح ، لكننا في هذه الحالةِ نراها بآذاننا !

_ هل قُلتِ أنكِ تحملتِ الأمرَ و تجاوزتيه ؟!

_ أجل ْ ! أليسَ من البديهي أنني كنتُ سأرحل لو لم أستطع تجاوزه !

_ لكنني كنتُ أُخبركِ بوجهتي و هويةِ زبائني ! حتى أنني كنتُ أدعوكِ للخروجِ معنا !!

_ هذا كان يساعدني أنا لا أنكرُ ذلك ، و لكنني أنا من احتملتُ الأمرَ و بررتُ لك َ في كل مرة !

_ و منذ ُ متى و أنا مصدرٌ لهذا العذابِ السري؟! ألم تقولي غير مرة بأنك لا تكترثين لهذه الأمور و بأن ثقتكِ بي و بنفسك تجعَلُكِ في مستوى أرفع من هذه الشكوك ؟!

_ بلى ، لكننا نحن الإناث لا نُخْبِرُكُم بكاملِ تفاصيلنا ! لا نُخبركم كيفَ نقبضُ على جمْرِ الاحتمالاتِ و نتسلى عن الألمِ بكأسٍ من مشروب دافئٍ أو قطعةِ حلوى ! لا نُخْبِرُكُم كيف نُصبِحُ قادراتٍ على عدِّ الثواني و نحنُ نتخيلُ مكان جلستِكُم و الابتسامات التي تتلقونها ! هل ستلمسُ يدهُ صدفة ً تلك السائحة ؟ هل ستُطيلُ الشرحَ عن مدى إعجابها بمدينتنا حتى يعرضَ عليها نزهةَ بريئة ؟ أم هل سَتطيلُ المشي حتى تتأبطَ ذراعهُ متظاهرة ً بالتعب ؟!

_ لكنكَ تعلمين َ أنها المرة الأولى التي لا أخبرك فيها و أنني لستُ من هذا النوع !

_ أجل أنا أعلم ، لكن هل تعلمُ هي ؟! بالنسبة إليها قد تكونُ أنتَ نزوةً شرقية ! أما بالنسبة إلي فقد تكونُ هي الدمار !

_ لكنكِ تعلمين َ بأنني ملتزمٌ بكِ ! ما الذي يثيرُ هذا النوع َ من الخيالاتِ في ذهنك ؟

_ سيكونُ من المضرِّ لي أن أُخبِرَك لكنني سأفعل ، كلُّ تفصيلٍ صغيرٍ أعلمُ أنه ليس َ على هواك في جسدي أو  في شخصيتي ، يُصبِحُ مَسْرحاً لأسوأ الخيالاتِ و أكثرها تطرفاً كُلما التقيتَ بأُخرى  _ لكنني أحببتُكِ كما أنتِ ! بتفاصيلك جميعها ! ما أعشقه منها و ما لا أعشقه !

_ هذا كلامٌ من صفحاتِ الروايات ، لايصلحُ عندما تكونُ الذئبة ُ خلفَ البابِ بانتظارِ الحَمَل ..

_ و هل يَصلُحُ أن تَذْبحي الحملَ قبلَ أن تَذبحهُ الذئبة ؟

_ بلْ يصلُحُ أن أغلقَ الباب َ إذا كان َ حَمَلي ، أو أهديهِ إلى الذئبةِ إذا كان َ حَمَلَها ..

ضَحِكَ هذه المرة ! و لاحظَ في خضم ضحكته و استغراب حبيبته ِ، بأن المقهى بات خالياً من الزبائن ! فقد تحولوا فجأة ً لمجردِ آذانٍ تسْتَرِقُ السمع لضجيجهما المثيرْ !

_ لماذا تضحك ؟

_ أعجبتني طريقتُكِ في النظرِ إلى الأمر ! و أثارَ عجَبي أنك لا تنظرين إليه من نفسِ الزاوية عندما يتعلقُ الأمرُ بكِ !

_ كنتُ عالمةَ بأننا سنصلُ إلى هنا ، إلى هذا الحديث المكررِ المقيت ! واسمعْ قبل أن تُذَكِّرَني ، أعلمُ أنني أخفيتُ عنكَ بعضَ الأمورِ التي تعتبرها مهمة ً لكننا اتفقنا بأن ذلك كان ضرباً من ضروب الجنون ! و أعلمُ أنك تقبلُ بخروجي مع أصدقائي الذين َ لا تحبهم ولا ترتاحُ لنواياهُم ! و أعلمُ أنكَ تبررُ لي في كل مرة ٍ تعتبرُ أني أسأتُ إليكَ فيها ! و أعلمُ أنك تشتكي من أني أصطدمُ بكَ بدلاً من أن أشكو إليكَ في كل مرة ٍ أكون غاضبة ً فيها ! هل نسيتُ شيئاً مما تريدُ أن تذكرني به ؟

_ نعم ، نسيتِ أنني أراكِ أفضلَ مما أنتِ عليه .. ( قالها في سلام )

_ أجل صحيح ، و تنتَظِرُ مني أن أتصرفَ كما تراني ! و ما علاقة ُ هذا كله بأنني رأيتُكَ صدفةً بصحبة ِ تلك الفتاة الكندية ؟ هل تريدُ نقل اللومِ إلي ؟

أحبَّ في هذه اللحظةِ أن يتظاهرَ ، بأن دخان َ سيجارته التاسعة هو ما أصابَ عينيهِ بالحرقة ! أطفأها بقسوةٍ و أشعلَ أخرى و هي في انتظارِ جوابِه ، و راح يقلِّبُ أعقابَ السجائرِ في ( المنفضة ) بجمرِ رأس سيجارته العاشرة ! تَجَنبَ النظرَ في عينيها حتى لا تفضَحَهُ عيناه ! أرادَ أن يُخبِرَها بأن الحياة َ عندما تُهدِينا شخصاً ، يَجِبُ علينا ردُّ التحية ! أرادَ أن يُخبِرَها بالوصايا المنقوشةِ على قلبين في معبدِ الحب : لا تَستَهِن بمن يستوعب جنونك ! بمن يقبلُ منك ما تمنعهُ عنه ! بمن يخلقُ لك أعذاراَ حتى أنتَ غيرُ قادرٍ على اختلاقها لنفسك ! بمن يَحتِملُ حساسيتك المفرطة غير المبررة ! بدونِ رياءٍ أو مقاصد خفية ! لا تَسْتَهِن بمن يرى فيكَ أكثرَ مما تراهُ في نفسِك ! فهو يأتي في العمرِ مرةً واحدة ً ، و يرحلُ مرةً واحدة !

أرادَ أن يُذَكِّرها بكل هذا و أكثر ، أرادَ أن يُذَكرها بكل موقفٍ خالَفَتْ فيهِ هذه الوصايا رُغْمَ نَزَقها! لكنه آثَرَ الصمتْ ! مَدَّ يَدَهُ في هدوءٍ إلى جيبِه ، أخرجَ ورقة ً و دفَعَها إليها ، و دون َ أي كلمةٍ وقفَ و مضى !

لم يُسعِفها خيالُها الرَّحب بأيةِ كلمةٍ لتَقولها ! تناولتِ الورقة لتقرأها في ذهولٍ غامرْ : ( أحببتُ أن أخبركِ أن الفتاةَ التي تريدين رؤيتي اليومَ بسببها هي شقيقة ُ مارك ، لا يجب أن يكون َ الاسمُ غريباً عنكِ فقد كُنتِ تحدثينه لساعاتٍ على الانترنت في الشهرِ الماضي ربما في الأوقاتِ التي كنتِ تتذرعين فيها بعدمِ قُدرتِكِ على الحديث إلي بسببِ أهلك ، مارك قريبي لجهةِ أمي و لسنا أصدقاءَ بشكلٍ فعلي ، و قد أخبرَ أهلهُ في كندا أنه يريدُ خطبة فتاةٍ من هنا يُحِبها و تُحِبُّه ، و أختُه التي كانت في زيارةٍ إلى المدينة أرادتْ مساعدتي لنسأل عن هذه الفتاةِ و عن أهلِها لأنني و أهلي الوحيدون المتبقونَ في هذه البلادِ من العائلة ، لا تقلقي فقد أخبَرْتُهَا بأنني لا أعرِفُكِ ، و أنا لم أكذبْ )

سَقَطَت الورقة ُ من يَدِها فيما أصيبت بقية ُ كلماتِها بالبلل .

مقالات أخرى للكاتب:

 

حصري