Lama Farahحصري

الحياة في المهجر شقاء أم نعيم؟

رفقاً بالقادمين الجدد فكلنا كان لنا بدايات
جريدة المهاجر the migrant

جريدة المهاجرـ لمى فرح : كنت أعتقد فيما مضى أن محلات الملابس المستعملة وبيع الأشياء المنزلية المستعملة ( البالة أو الروبابيكيا)  هي فكرة ابتكرتها البلاد النامية أو البلاد التي يكثر فيها الفقر ، وبالطبع كان مفهومي قاصراً إلى أن تجولت وعشت في بلاد غنية و متقدمة، حينها أدركت أن العوز والحاجة لا وطن لها  فالشوارع الخلفية لأكبر المدن وأكثرها ثراءً اقتصادياً تمتلىء بالفقراء والمشردين والمعوزين ومثل هؤلاء يعيشون  حتى في الدول التي تُعتبر  الدولة “الحلم” بالنسبة لكثيرين .

لا أعلم من صوّر للبعض أن في بلاد المهجر أشجاراً وكروماً تتدلى منها عناقيد المال ، وأن الأرض فيها تُنبت ذهباً وما على المغترب إلا أن يقطف غلالاً من ورق “البنكنوت”!

ملايين المهاجرين حول العالم غادروا بلادهم إما طوعاً بحثاً عن مستوى معيشي أفضل أو عن فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم أو سعياً لحياة أكثر كرامة وإنسانية ، ومنهم من غادر قسراً هرباً من حروب طاحنة دمرت بلادهم ، أو من اضطهاد سياسي كان أو دينياً أو بحثاً عن حرية افتقدوها في بلاد تقمع الحريات الفكرية والسياسية والدينية ، وهذا حق إنساني وحقيقة لا جدل فيها ، لكن أياً كان حجم  النجاح  والاستقرار الذي يحققه المهاجر في المغترب فإن كل خطوة يخطوها نحو تحقيق أحلامه وطموحاته التي قد تكون أكثر قابلية للتحقيق في بلاد مستقرة اقتصادياً ىسياسياً فإن ثمنها باهظاً وضريبتها عالية. 

الحياة في المهجر لاسيما في السنوات الأولى هي مزيج من التحديات اليومية… بيئة جديدة مختلفة كلياً عما اعتدنا أن نحيا فيها.. لغة جديدة هي سبيله الأساسي للتواصل مع الآخرين وللعمل والدراسة ولإثبات وجوده … دقّة وانضباط في الوقت والأداء لا ترحم المتراخي والمتكاسل ولا تعترف بفوضى اعتدنا أن نتعايش معها في بلادنا… التزام بقوانين لا تميّز بين غني وفقير وبين  مسؤول أو صاحب سلطة ونفوذ أو بين  فرد عادي … اشتياق لا ينتهي لأهل وأحبّة وأصدقاء وذكريات حملناها معنا لابد أن يرافقها صلابة وقدرة نفسيّة كبيرة على التكيّف واحتمال الغربة عاطفياً .. ودعونا لا ننسى التحدي الهام وربما الأهم وهو التحدي الإقتصادي في بلاد تقدم لمواطنيها كل ما هو متاح من رفاهية وخدمات.

ربما كانت هذه المزايا مجرد حلم للمهاجر في بلده الأم ،لكن في الوقت ذاته فإن ما تقدمه هذه البلاد هنا باليد اليمنى تسترد ثمنه ( وفوقها حبّة مسك ) من الضرائب والفوائد المرتفعة وهذا يعني بالمقابل عملاً دؤوباً متواصلاً في الحد الأدنى من الخطأ الذي يقابله مسؤولية كبيرة قانونياً.

إذاً من المجحف القول إن قصص الهجرة هي كلها قصص رغدٍ ونعيم، لذلك أقول للحالمين إن الشقاء ليس حكراً على بلد بعينه .. فالشقاء سيرة ذاتية قد نختبرها أينما كنّا.

  

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً