Connect with us

Lama Farah

التواصل بعيداً عن العزلة

Published

on

جريدة المهاجرـ لمى فرح : لازلت أذكر منذ خمسة وثلاثين عاماً مضت لحظات الوداع لأول فرد مغترب في عائلتي وهي عمتي الصغرى ، وأذكر ماقاله والدي حينها وأنا أرى حزن الدنيا قابعاً في عينيه حين قال : ” المهاجر متلو متل الميت نفس الخسارة “.

كان وقع الكلمات قاسياً على قلبي وروحي واعتقدت أن أبي يبالغ . عشرون عاماً مرّوا بعدها منذ أن هاجرت عمتي الحبيبة التي كانت بمثابة أم ثانية لم أراها ولَم أسمع صوتها عبر الهاتف إلا نادراً حين كانت الاتصالات عبر القارات صعبة ومكلفة عدا عن الرسائل التي كانت تحتاج شهراً ربما لنعرف عن أخبارها ونعبّر فيها عن أشواقنا وحنينا إليها ، وبين الرسائل والبريد تصبح تفاصيل الحياة باهتة والأخبار بائتة ولا يبقى من كل ذلك إلا عموميات التواصل. شريط الذكريات هذا مرّ على خاطري مع ابتسامة  اكتفاء ورضى بعد ان أنهيت محادثة بالصوت والصورة مع هذه العمّة ذاتها.

فاليوم مع هاتفي  الخليوي الذكي أصبح العالم بين يدي وأصبح أحبتي وأصدقائي وأهلي وربما كل من عرفت على مرّ سنوات العمر كأنهم معي في بيتي أراهم ويرونني، أسمع أصواتهم وأرى وجوههم ، وأصبحت المسافات قريبة بقدر قرب تلك الشاشة البيضاء إلى عيني ، ولم يعد اختلاف الوقت بين مدينتين أو قارتين اختلافاً مزعجاً كما كان ، فهواتفنا الخليوية هذه لا تعترف بالجغرافيا كما نعرفها على خارطة العالم ولا تعترف بالوقت كما نعرفهاعلى دقات الساعة العادية فكلنا نستوطن اليوم هذا الجهاز الدهشة الذي لازال بعد سنوات من استعماله يسحرني بدقته وسرعته.

دعونا لا ننكر أن للهاتف الذكي هذا صيت سيّء السمعة أيضاً بالنسبة للتواصل الحقيقي  العائلي بين أفراد البيت الواحد لأنه شغل الأبناء عن آباءهم وشغل الأزواج عن بعضهم البعض وصارت الجلسات العائلية أقل حميمية وأكثر هدوءاً ربما ، واتسع أفق الصمت بينهم ، إلا أن قليلاً من الإنضباط والعقلانية وعدم المغالاة في استعماله  قادراً ربما على ترجيح كفّة الإيجابيات في مثل هكذا ابتكار.

 الهاتف الخليوي مثله مثل أي شيء في الحياة ، إما أن نستثمر التعامل به بشكل إيجابي أو أن يكون أداة مدمّرة إذا أسأنا استخدامه ، والأمثلة كثيرة على الحالتين ففي نهاية المطاف يعتمد دوره في حياة كلٍ منا على كيف ومع من ومن أجل ماذا نلتصق بهواتفنا الخليوية ؟ فابتكار طريقة عمل هذه الأجهزة وخصائصها  كان ولازال هدفاً اقتصادياً بالدرجة الاولى فهو نسخة مشابهة عن الحاسب الآلي الشخصي في وظائفه وطريقة عمله باستثناء ميزة حجمه الصغير المتناسب مع سهولة حمله أينما كان ، إضافة لخاصيّة عمله كهاتف عادي لإجراء المكالمات الصوتية، إلا أن سحره الحقيقي كان ولازال بالنسبة لي هو في القدرة على التواصل مع الآخرين في أي مكان وأي زمان ، ففي النهاية ما يميزنا كبشر أننا كائنات اجتماعية نسخّر الكون لكي نبقى متواصلين بعيداً عن العزلة.

اضافة تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Lama Farah

الحبّ ليس رواية ذاتيّة

Published

on

By

جريدة المهاجرـ لمى فرح : عندما تكتب عن الحب لا تعرف من أين  تبدأ وكيف تنتهي؟ بماذا  تصفه أو تصنّفه ؟ تنتابك الحيرة  في ما تكتب , فمالذي بقي عن الحب لم يُقال ولم  يُكتب سواء  في الروايات أوالقصائد و الأغاني أوحكايا  الأفلام ؟ عن أي حب  تكتب ؟ هل تكتب عن الحب الروحي ،الحب الرومانسي ،حب الأهل والأبناء ،حب الأصدقاء ،حب الذات أم حب الحياة ومتعها؟

الحب بكل أشكاله هو سعادتنا أو شقائنا إن شئنا… قوتنا أوضعفنا ، سلامنا أو دمارنا ، كرامتنا أو ذلنا .

هو نحن بأخلاقنا وقيمنا وخبراتنا المتراكمة في الحياة هو حريتنا اللامحدودة أوسجننا الذي نرتضيه بإرادتنا .

الحب في حياتنا منوط بمن نحب وكيف نحب؟ نحن مثلاً لا نختار آباؤنا ولا أخواتنا ، فمع ولادتنا وفي البيت الذي نعيش فيه نتعلم كيف نحب اخوتنا آباؤنا أقرباونا ذواتنا وعندما نكبر نتعلم كيف نحب الحبيب أو الزوج والأصدقاء وكيف نحب الحياة وما في الحياة. الحب غريزة في الأصل  عندما نتعلم حب الأشياء من حولنا ومع السنين والتربية والبيئة التي نعيشها يتحول هدا الشعور فينا إلى مهارة مكتسبة ، إما ان نُتقنها أو لا نتقنها ويكون مقياس  قدرتنا على الحب هو ما قد حصلنا عليه طوال حياتنا فإما ان يكون سخياً  فنكون  نحن كرماء في منحه أو يكون شحيحاً نفتقر إليه فنكون بخلاء في  مشاعرنا. 

لا يكفي ان نحب بل الأهم هو كيف نحب أما كيف نحب فهذا مرهون بالمبادىء والقيم والأخلاق والسلوكيات التي نشأنا عليها، فهناك حب يستوجب الطاعة والتواضع كحب الله وهناك حب يستوجب العطاء والغفران الدائم كحب الأبناء ، و حب يستوجب الإحترام والرعاية والبر كحب الوالدين وهناك حب يستوجب التفهّم والكرامة والنضج كحب الزوج/ة والحبيب /ة ، وهناك حب يستوجب الإلتزام واللامغالاة والأخلاق كحب متع الحياة ومباهجها.

معقّد هو الشعور بالحب وبسيط في آن واحد ،وهذا ربما أجمل تناقضاته ، إلا أنه سر إنسانيتنا والوجه الجميل فينا. كلما أحببنا كلما زاد عطاؤنا وتعالت غيريتنا على  أنانيتنا ، وكلما زاد مقدار الحب الذي نعطيه ونحصل عليه ازداد توازننا النفسي ، لا بل ربما توازن الكون كله ، فإن اقترن الحب بالأخلاق والقيم والأفعال ربما صار العالم الذي نعيش فيه أكثر عدلاً ، أكثر تسامحاً وأقل وحشية ، عندها يكون هو اليد الممدودة إلى الآخر المحتاج ويكون السلام الذي يبني البشر والحجر والدواء الذي يشفي الجراح ، والفرح الذي يُنسي الأحزان الغائرة، وهو الحقيقة الصادقة التي تدحض الكذب والخيانة والغش.

الحب هو الأصل فقد جُبلنا عليه في تكويننا وكل ما يحتاجه هو الرعاية  والتوجيه الصحيح لكي ينمو في أرواحنا سليماً معافى، عندها لا حاجة لنا لأن نبحث عنه  ونطارده ، فبيته الأول ومسكنه هو نحن في أعماقنا ومن هناك نهبه للآخرين وللحياة بأشكالها ليعود إلينا بلا جهد كهبة جميلة ، كنعمة ملؤها البركة لنا ولمن حولنا . الحب هو نكهة العيش اللذيذ ، لا بل هو كما يقول الشاعر  نزار قباني :

” الحب في الأرض بعضٌ من تخيلنا .. لو لم نجده عليها لاخترعناه “.

Continue Reading

Lama Farah

النساء الشرقيات في الغرب …دهشة لا تنتهي

Published

on

By

جريدة المهاجرـ لمى فرح :في هذا المقال سأستخدم نون النسوة بكثرة لا بل ربما  في كل جملة أكتبها، فهو عن المرأة هذا الكائن المدهش في تكوينه القوي والضعيف معاً، البساطة والتعقيد في آنٍ واحد ، وتحديداً سأكتب عنهنّ أولئك اللواتي أتينَ إلى الغرب قادمات من بلاد يحكمها نظام ذكوري غير منصف ومع ذلك استطعن التغلب على صعاب كبيرة وتحديات كثيرة ما كنّ ليقدرن التغلب عليها في بلادهنّ.

النماذج كثيرة وقد عرفتهن عن قرب فمنهنّ من أتين وحيدات بلا عائلة، أو أتين مع أبنائهنّ بلا زوج، فتعلمن أو تابعن تعليمهنّ وعملن في مجالات شتى فكنّ العائل الوحيد للأبناء ، ومنهنّ من لم يخضن غمار العمل يوماً وعندما اضطرتهنّ ظروف الحياة الجديدة استطعن أن يكتشفن مهاراتهنّ ويصقلن مواهبهنّ ليدركن أنهنّ قادرات على عمل الكثير.

ومنهنّ من عانين حياة مريرة مع زوج ظالم أو عنيف عاملها على أنها شيء من أشياءه التي يقتنيها في مجتمع  لم ينصفها ، فاضطرت لاحتمال ما لا يُحتمل تحت مسمى التقاليد والأعراف، ولما أتين إلى بلاد تُقرّ بحريتهنّ اجتماعياً وقانونياً استطعن أن يكسرن أصفاد الذل والتبعية في ظل حياة زوجية كانت هي الخاسر الوحيد فيها.

منهنّ من امتلكت الجرأة وأخذت قرارها في أن تسير بطريق جديدة في الحياة ، وإن كانت طريقاً وعرة ولو إلى حين إلا أنها استطاعت بإرادة من حديد أن تتجاوز مشقّات الطريق لتبدأ من جديد حياة فيها من الكرامة ما يفوق تلك المشقّات.

مثل هؤلاء وغيرهنّ كثيرات لم تكن تنقصهن المهارة أوالقدرة أو الإرادة بل كان ينقصهنّ المناخ والمعرفة والتدريب على استخدام مكامن قوتهنّ. كان يلزم المرأة محيط جديد يمدّها بالدعم والتشجيع وقوانين عادلة بمعايير إنسانية تكفل لها حقوقها وتحدد واجباتها على أنها مواطنة كاملة الأهلية مثلها مثل الرجل. كنّ بحاجة إلى مناخ اجتماعي واع ومنفتح و قادرعلى أن يمنحهنّ فضاءات واسعة لإبراز تميزهنّ إن كان من تميز في شتى مجالات الحياة .

 أكثر ما يثير الإعجاب في المرأة الشرقية القادمة إلى الغرب أنها لم تكن تهدف لأن تصبح نسخة زائفة عن المرأة الغربية، فكل احتياجاتها كانت تختصر بالدعم والمساواة والثقة التي يقدمها المجتمع الغربي للنساء بقوانينه وأنظمته، وهي هنا إنما تضيف على كل هذا تلك اللمسة الشرقية الساحرة، الأم في سخاء عطائها اللامحدود ، الزوجة في دفء احتضانها لأسرتها وأبنائها، والأنثى في حيائها ورقتها. مزيج كهذا أوليس كفيلاً بأن يرمّم مجتمعات بأسرها؟

من أجل هذا كله أجدني غير قادرة على أن أكون حياديّة في الحديث عن المرأة الشرقيّة ،وأخص في هذه العُجالة النساء الشرقيات في الغرب. فلابد وأنا أدخل عالمهنّ وأروي حكاياتهنّ وتجاربهنّ من أن يزهر قلمي وروداً من الأفكار الجميلة عن الفخر والزهو والدهشة التي لا تنتهي.

Continue Reading

Lama Farah

ألسنا نحن ذاتنا من كنّا في بلادنا ؟ فما الذي تغيّر ؟

Published

on

By

جريدة المهاجرـ لمى فرح : صار لزاماً عليّ أن أجدد رخصة القيادة الخاصة بي، فكان أن ذهبت إلى الدائرة الحكومية المختصة هنا في كندا. وقفت آخراً في صف طويل من الأشخاص ممن جاؤوا لإنهاء معاملات شبيهة بالتي جئت من أجلها. الكل يقف  من غير تململ وبهدوءٍ وصمتٍ لا يخلو من أحاديث قصيرة هنا وهناك تخفف وطأة الإنتظار ربما.

في وقت انتظاري هذا كانت عينيّ مصوبتين على كوة الموظفين الذين يعملون بدأب وبلا تباطؤ لتسيير أمور المراجعين إلى أن حان دوري، عندها قدّمت للموظفة الأوراق المطلوبة وهي بدورها أنهت إجراءات تجديد الرخصة بابتسامة لطيفة ومن غير إطالة. خرجت راضية عن عدم التعقيد في إنجاز شيئ كان  ضرورياً ومستغربة في الوقت ذاته أتساءل : أين اختفى نزقي من صفوف الانتظار؟ أين اختفت حيلتي وقدرتي على تسهيل الصعب وإيجاد المبررات لتجاوز ما لا يحوز؟  أين انا التي كنتها يوماً في بلادي ؟.

الجواب ببساطة أنني لم أعد مضطرة لكل ذلك، فبعد سنوات طويلة قضيتها هنا تشكّلت شخصيتي واكتسبتُ مفاهيماً وقيماً مختلفة عما كانت فيما يتعلق بحقوقي وواجباتي كمواطنة،وفيما يتعلق بالكثير من الأمور كمثل قبول الآخر والإختلاف  والتعايش معه بسلام .

علا صوتي في المطالبة بحقوقي في بلد يحترم أصغر الحقوق ، وفي ذات الوقت زاد حسي بالمسؤولية في القيام بواجباتي حتى في التفاصيل اليومية . وكمثال لم يعد مألوفاً ولا حتى مقبولاً لدي أن أرى مخلّفات مرمية هناك وهناك في الشوارع، لا بل صرت أخجل من أن أرمي أي شيء خارج سلة المهملات برغم أنني لا أعتقد أن القانون يُجرم هذا الفعل .

فمع الوقت يتخطى أداء المواطن لواجباته فكرة الخوف من العقاب ، ومع الوقت تصبح مقولات مثل ” ما حدا أحسن من حدا ” و ” شغلة صغيرة ما بتأثر ” جرماً أخلاقياً بحد ذاته، ومع الممارسة يصبح الإلتزام بالقوانين عملاً طوعيّاً أكثر منه إلزامياً ، لا بل يصبح طابعاً عاماً ،و أكثر من ذلك قد يصل للحد الذي يرى البعض فيه أن الشكوى على الآخر الذي لا يلتزم بالقانون واجب مجتمعي.

عندما تعيش في بلاد تكفل لك حرياتك الفكرية والدينية والسياسية والإجتماعية وتكفل حقوقك الإنسانية بما يكفي لأن تعيش بكرامة ، وبما يكفي لأن تختبر أنك فرداً مؤثراً وفاعلاً في كل ما تقوم به ، وبذات الوقت عندما يسري القانون بالتساوي على الجميع فيما يخصّ الواجبات المنوطة بك كمواطن ،عندها يزداد شعورك بالإنتماء لبلد كهذا، وكلما زاد الشعور بالإنتماء والكرامة زاد الإحساس بالمسؤولية لأنك تكون قد أدركت ماذا تعني ” المنفعة العامة ” التي ستعود عليك أولاً.

إذاً لا عجب أنّني أنا ذات الشخص الذي كنته يوماً في بلادي، لكن عيشي في بلد فيه من الإنضباط والحرية والقوانين العادلة والمُلزمة للجميع هو الذي غيّر مفاهيمي وأسلوب حياتي .. أزعم بحق أن هذا الذي تغيّر.

Continue Reading

حصري