Lama Farahحصري

التنوّع  الإنساني في المهجر .. عوالمٌ جميلةٌ  أخرى لم نكن نعرفها

جريدة المهاجر the migrant

جريدة المهاجرـ لمى فرح : تمتاز البلاد القديمة والعريقة حضارياً  ذات الجذور الضاربة في عمق التاريخ بأصالةٍ هي مزيجٌ من الجغرافيا واللغة والتراث والعادات والتقاليد وماضٍ ثقافي واجتماعي عريق . كذلك هم أهلها يشبهون تلك البلاد في تجانسها وأصالتها، فهم يتكلمون ذات اللغة مع اختلاف ليس بكبير بين لهجات مدنها .. يمارسون طقوس أفراحهم وأحزانهم بلا ارتباك فقد أخذوها من ذات الإرث الاجتماعي الذي خلّفه لهم أسلافهم..ينام أطفالهم على حكايا الجدات ذاتها والأغاني ذاتها ،حتى في ما يأكلون فالطعام هو مألوفٌ في مذاقه ومكوناته ورائحته  كما كل شيءٍ آخرٍ هناك.

في كل ما سبق تجانس حياتي  جميل تشكّل عبرَ آلافِ السنين وتطوّر تدريجياً الى شكلٍ يبدو ليّناً وحديثاً في مظهرهِ لكنه عنيداً في مضمونه وفي  تمسّكهِ بخصائصه التي  تميّزه.

أنا كالكثيرين ممن  هاجروا من بلاد كهذه البلاد. سورية بلد عريق حفظت كل شيء فيها عن ظهر قلب بكل حميميّة إلى أن جئت إلى كندا بلدٌ حديثٌ في نشأتهِ مقارنة بسورية، قامَ على المهاجرين من كل بقاع الدنيا و يستقطب الجميع باختلاف عاداتهم ثقافاتهم ومعتقداتهم ومظهرهم.

 هذا التنوع أغنى معرفتي بالآخر الذي لم أكن لأعرفه عن قرب لو أنني لم أهاجر، وهذه المعرفة وسّعت مداركي وجعلتني أختبر كيف أتقبّل الإختلاف وأرى الجمال والإيجابية في كل ثقافة ، والأهم أنها جعلتني أرى البلد الذي أتيت منه بعينٍ أكثرَ موضوعية ، أثمُّن كنوزه الحضارية والثقافية وأفخر بما يبرع فيه أهله وبما يميزهم ، ولكن أقيسُ وبنفس الموضوعية سلبياته وما ينقصه لكي يصبح بلداً أفضل بما فيه ومن فيه. 

هنا تعلمت من صديقتي الإنجليزية الأصل كيف تكون الدقة والإنضباط في المواعيد؟ وهنا شممت رائحة البهار الهندي للمرة الأولى واستمتعت بمذاق الشواء في المطاعم الأفغانية ، ولأهل أفغانستان بلد الصراعات والحروب الدامية وجه إجتماعي جميل تراه في جلساتهم فيما بينهم .

هنا تعلمت من زملاء أبنائي في الصفوف الدراسية أن التنافسية والجدّية في طلب العلم والمعرفة والعمل شيء لا جدال فيه بالنسبة لمن جاؤوا من بلاد مثل  كوريا والصين ، وهنا استعنت بمهارات  البولنديين في حرفيتهم اليدوية ،وهنا أيضاً عرفت أن نساء الشرق الأوسط لسن الوحيدات في تميزهنّ كربّات بيوت ،فجارتي المُسنّة الإيطالية الأصل كانت تأكل مما تزرع في حديقة منزلها الخلفية وكانت ثرثراتها الممتلئة صخباً وحماساً تذكرني بربات البيوت في أحياء دمشق القديمة.

اذاً في بلاد المهجر يجتمع العالم في حي واحد ، في مدرسة واحدة ،في مكان عمل واحد ننهل فيه معارفنا وخبراتنا من كل ثقافة فيه ، وتتسع فيه آفاقنا لنُدركَ أنَ في الإنسانية ثراءٌ يتجاوزُ حدود المكان ،وما يجعل لهذا الثراء والتنوع قيمة هو أن نعرف حقاً كيف نكتسب الجميل والإيجابي من كل شيء حولنا فتصبح الهجرة بالنسبة لنا استثماراً مستحقّاً .

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً