Lama Farah

ألسنا نحن ذاتنا من كنّا في بلادنا ؟ فما الذي تغيّر ؟

جريدة المهاجرـ لمى فرح : صار لزاماً عليّ أن أجدد رخصة القيادة الخاصة بي، فكان أن ذهبت إلى الدائرة الحكومية المختصة هنا في كندا. وقفت آخراً في صف طويل من الأشخاص ممن جاؤوا لإنهاء معاملات شبيهة بالتي جئت من أجلها. الكل يقف  من غير تململ وبهدوءٍ وصمتٍ لا يخلو من أحاديث قصيرة هنا وهناك تخفف وطأة الإنتظار ربما.

في وقت انتظاري هذا كانت عينيّ مصوبتين على كوة الموظفين الذين يعملون بدأب وبلا تباطؤ لتسيير أمور المراجعين إلى أن حان دوري، عندها قدّمت للموظفة الأوراق المطلوبة وهي بدورها أنهت إجراءات تجديد الرخصة بابتسامة لطيفة ومن غير إطالة. خرجت راضية عن عدم التعقيد في إنجاز شيئ كان  ضرورياً ومستغربة في الوقت ذاته أتساءل : أين اختفى نزقي من صفوف الانتظار؟ أين اختفت حيلتي وقدرتي على تسهيل الصعب وإيجاد المبررات لتجاوز ما لا يحوز؟  أين انا التي كنتها يوماً في بلادي ؟.

الجواب ببساطة أنني لم أعد مضطرة لكل ذلك، فبعد سنوات طويلة قضيتها هنا تشكّلت شخصيتي واكتسبتُ مفاهيماً وقيماً مختلفة عما كانت فيما يتعلق بحقوقي وواجباتي كمواطنة،وفيما يتعلق بالكثير من الأمور كمثل قبول الآخر والإختلاف  والتعايش معه بسلام .

علا صوتي في المطالبة بحقوقي في بلد يحترم أصغر الحقوق ، وفي ذات الوقت زاد حسي بالمسؤولية في القيام بواجباتي حتى في التفاصيل اليومية . وكمثال لم يعد مألوفاً ولا حتى مقبولاً لدي أن أرى مخلّفات مرمية هناك وهناك في الشوارع، لا بل صرت أخجل من أن أرمي أي شيء خارج سلة المهملات برغم أنني لا أعتقد أن القانون يُجرم هذا الفعل .

فمع الوقت يتخطى أداء المواطن لواجباته فكرة الخوف من العقاب ، ومع الوقت تصبح مقولات مثل ” ما حدا أحسن من حدا ” و ” شغلة صغيرة ما بتأثر ” جرماً أخلاقياً بحد ذاته، ومع الممارسة يصبح الإلتزام بالقوانين عملاً طوعيّاً أكثر منه إلزامياً ، لا بل يصبح طابعاً عاماً ،و أكثر من ذلك قد يصل للحد الذي يرى البعض فيه أن الشكوى على الآخر الذي لا يلتزم بالقانون واجب مجتمعي.

عندما تعيش في بلاد تكفل لك حرياتك الفكرية والدينية والسياسية والإجتماعية وتكفل حقوقك الإنسانية بما يكفي لأن تعيش بكرامة ، وبما يكفي لأن تختبر أنك فرداً مؤثراً وفاعلاً في كل ما تقوم به ، وبذات الوقت عندما يسري القانون بالتساوي على الجميع فيما يخصّ الواجبات المنوطة بك كمواطن ،عندها يزداد شعورك بالإنتماء لبلد كهذا، وكلما زاد الشعور بالإنتماء والكرامة زاد الإحساس بالمسؤولية لأنك تكون قد أدركت ماذا تعني ” المنفعة العامة ” التي ستعود عليك أولاً.

إذاً لا عجب أنّني أنا ذات الشخص الذي كنته يوماً في بلادي، لكن عيشي في بلد فيه من الإنضباط والحرية والقوانين العادلة والمُلزمة للجميع هو الذي غيّر مفاهيمي وأسلوب حياتي .. أزعم بحق أن هذا الذي تغيّر.

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً