fbpx
Connect with us

مقالات

أصْعَب ُ الجِراح !

Published

on

المهاجر ـ حسام الصعوب : في تمام الساعة ِ الحادية عشرة ليلاً .. كانتْ على موعد ٍ مع الحرية !

جميلة ٌ هي تناقضات الحياة ِ و مغرية ! فما يُعْتَبَرُ بداية َ السجن ِ لغيرِك ، قد يكون ُ بداية َ أولى لحظاتِكَ بعيداً عن العبودية !

ابتسمتْ ميرا لهذا الخاطر المُبالغ فيه ، اعتدلتْ في جلستها على كرسي غرفةِ المشفى ، و عادتْ للطرق برؤوس أصابعها على مسنده الجانبي و كأنها تُمْطِرُه ، فيما نظرتْ إلى

أختها المسجاةِ على السرير في صمتْ ، و حَسَدَتْها في غِبْطَةٍ ، لراحةِ البالِ التي تُرسلها في نومٍ عميقٍ ، قريبة من الموت ِ أكثر منها إلى الحياة !

_ متى سأنام مثلك في غفلة ٍ عن ضجيجِ الزمن ..

قالتها في فرح ٍ و حسرةٍ معاً ! الفرح للسكينةِ التي تنضح بها تقاسيمُ وجهِ أختها المسافرة في الحلم ، و الحسرة لغياب تلك السكينةِ عن وجهها ! و أيقنتْ في تلك اللحظة أنها

لم تُباَلِغ في خاطرها الأول !

ليست العبودية ُ وصفاً لحالةٍ من غيابِ الحرية فقط ، بل هي كلُّ شرنقة ٍ تغلِّف ُ الأحلام ! فالخوف ُ من نظرات المارقين على الطريق عبودية !

Shop SHEIN.com For The Latest Fashion Trends!

والتَّحَسُّبُ من غدر ألسنة ِ العوام عبودية ! والاختباءُ خلف ابتسامةٍ زائفة ٍ عبودية ! حتى حَبْسُ الخيال ِ عن اللقاءات المحرمة عبودية !

عبيدٌ نحن ُ لمألوفِ واقِعِنا ، و كلُّ من يُشاطِرنا هذه البقعة َ من الأرض هو سجّانٌ مُفْتَرَضٌ لنا و نحن ُ سجّانون مفترضون له  !!

غريبة ٌ هي تناقضاتُ هذه الحياة !!! كيف َ نكون ُ العبيد َ و السجانين في نفس الوقت ْ ؟!!

نظرتْ ميرا إلى الساعة ِ بعتب ٍ فيما توقَّفَ مطرُ أصابعها ، كانت العقاربُ تجرُّ الوقتَ بتثاقلٍ كأنها ثلاثة خيول ٍ طاعنة في السن تجرُّ عربة ً مُحَملةً بهموم البشرية جمعاء !

دُهِشَتْ ميرا لملاحظتها مرة جديدة بأن للزمن صوت ! و على عكسِنا نحنُ البشرْ ، صوتُ الزمنِ يُصبُح مسموعاً أكثر كلما أبطأ السيرْ !

كم من مرة ٍ أزعَجَنا صوتُ الثواني و هي تئنُ على ساعة الحائط ؟! أليس َ من الغريب ِ أن هذا الأنين َ لا يُداهِمُنا إلا ونحن ُ في حضرة ِ الانتظار !! أم أنَّ العبارة َ يصح معناها أكثر إذا قُلْنا بأننا

لا نسمعُ أنين َ الوقت إلا في سكون ِ المجهولِ القادم بعد َ لحظة ٍ أو ربما لحظات !

_ خمس ُ دقائق بعد على الحرية ..

قالتها و هزت رأسها نزولاً و صعوداً موافقة ً على أنين ِ الزمن ْ ، أو لعلها كانت ْ موافقة ً على أنينها هي ! لأنها وقفت ْ بتثاقلٍ كما الوقت ! تقدمتْ و هي تعصرُ كلتا يديها ببعضهما ،

و رفعتْ طرحة َ النافذة ِ عن زجاجِها ، و نظرَتْ إلى الشارع ِ في الأسفل كأنها تُحاولُ أن تُسَرِّع الحياة ..

نظرتْ إلى ( الكشك ) المقابل ِ على زاوية الشارع ، و ألقتْ بكفِّ يدِها على الزجاج لتُتبِعَهُ بجبينها الذي استشعر برودةً ممتعة ، أغمضت عينيها و كأنها تحاولُ في مخيلتها تذوقَ رائحة كأس القهوة ِ

التي اشتراها غريبٌ بملامحَ غريبة ٍ في الأسفل ! ولكن عبثاً ! فالألم ُ  يُغَيِّبُ كل الروائح ، حتى رائحة الغرفة المعقمة و الزجاج المُنَدَّى بعبقِ المطر..

_ ميرا ..

أيقظها صوت أختها في خلفية المشهد

_ أما زلتِ تنتظرين ؟ كم الساعة ُ الآن ؟! ألم تصبح الحادية عشرة بعد ؟

التفتت ميرا إلى أختها التي اعتدلت في جلستها ، و أجابتها باسمة ً بعد أن زارت ساعة َ الحائطِ خطفاً ، و قبل أن تعود إلى زجاج النافذة :

_ صبرٌ إلا دقيقتان ..

تململت أختها في نزق ، وقفتْ وهي تُلَملِمُ شعرها وكأنها تُخْرِجُهُ من بقايا الحلم ، و بدا العتبُ في ثنايا صوتِها :

_ مجنونة ٌ أنت ِ ! ماذا كان سيحدُث ُ لو دخل الطبيبُ و رآني نائمة ً على سريرك و أنت ِ المريضة ؟

_ لا شيء .. سأقولُ لهُ أني تحسنت ْ

_ ميرا .. انظري إلي و كفاكِ عبثاً ، كيف ستقنعيهم أنكِ تحسنت ِ بهذه السرعة ؟ ألم تفكري في هذا قبل َ أن تَدَعِي والدتنا تحجز لكِ هذه الغرفة ؟

التفتت إليها في وداعةٍ موشحةٍ بالحزن : _ لا تقلقي .. إذا اكتشفوا الأمر أنا سأتحمل ُ اللوم كله .. ثم إن والدكِ لديه فائض ٌ من النقود ِ يباهي بهِ عاشقاً غني القلبِ جاءَ لخِطبتي ..

لن يضيره أن يفقد بعضه ..

هزت أختُها رأسها يمنة ًو يساراً ، و عدلت ثيابها : _ و الآن ؟! ما الذي تنوين فعله بعد أن اقتنعَ الجميع ُ بأنكِ تعانين من ( الزائدة ) ؟ ليس لديكِ الكثيرُ من الوقت قبل أن تُظْهِرَ التحاليلُ أنك كاذبة

_ لا أحتاجُ الكثير منه .. هي لحظاتٌ فقط ما أحتاج .. و لا بأس إن طالت ْ

لكن الانتظارَ بدا طويلاً حتى بعد أن دقت ساعةُ الصبر ، كان على ميرا أن تتأكد من خلو ممرات طابق المشفى قبل أن تنطلق إلى الحرية ، فقوانين هذه المشفى تُطابقُ قواعد الحب !

لا يُسْمَحُ إلا لمرافقٍ واحدٍ بالبقاء مع المريض ! كان وجهها يتسللُ من شق الباب عندما خاطَبَتها أختها :

_ لا زلتُ لا أصدق ُ كيف طاوعكِ قلبُك لخداع أمنا فقط لتتركك هنا لكي تتمكني من رؤيته !

_ كان عليها التفكيرُ في هذا ، قبل أن توافق أبي على منعي من الخروج إلا برفقتها ، حتى يطمئن بأني لن أراه ..

_ و كيف علمتِ أنها ستتركني أنا معك و لن تنامَ هي هنا ؟

_ لم أعلم ْ ، لكنني غريقة ٌ لا تُضيرُها قشة ..

_ و ذلك الألم ُ الذي كنت ِ تمثلينه ؟! لم أكن أعلم أنك تجيدين التمثيل إلى هذا الحد !

_ لم أكُن أمثل ! ألا تعلمين أن حبيبي خَضَعَ لعملية الزائدة ؟!

_ لم أفهم

ابتسمت ميرا لأختها و هي تشير إليها لتتبعها ، وعَبَرت البابَ إلى الحرية باسمة ً في وجه مرافقِ حبيبها الذي أطلَّ في نهاية الرواق تنفيذاً للاتفاق الذي تم على الهاتف ،

مَشَتْ و هي تسمعُ خلفَ خطواتِها أصواتَ تكسير السلاسل ، مشتْ مقاومة ً رغبتها في الشرح ِ أولاً لشقيقتها ، بأنها لم تكن تمثل !

مشت ْ دونَ أن تشرحَ لها بأن أصعبَ أنواعِ الجراح هي تِلْك َ التي تُؤلِمُنا دون َ أن تُدْمِينا .

مقالات أخرى للكاتب :

 

حصري