fbpx
Connect with us

Rima Alzelaa

مَن يفعلِ الخيرَ لا يعدم جوازيَه

Published

on

جريدة المهاجر ـ ريما الزيلع : “كلّ ما تعتقده عن الحياة فإنّك تسهم بشكل أو بآخر بوجوده فيها”

عبارة عميقة المعنى، منها نبدأ المقال وننوي لك عزيزي القارىء كلّ الحبّ والسلام..

إنّ الحياة تعكس في واقعنا ما يتناسب مع الذي نفكّر به، مع قناعاتنا وجميع معتقداتنا. وبناءً على ذلك نقول: “أنتَ تصنع واقعك” أو “واقعك انعكاس لأفكارك”، أي أنك تجذب لحياتك كلَّ الذي ينسجم مع ما تعتقده، أو تفكّر به، أو تشعر فيه. فإن كنت ترى الدنيا دار شقاء ستكون دنياك كذلك، ولو كان ظنّك في الناس أن لا خيرَ فيهم فسوف تصادف أشرارَهم ومنافقيهم، ولو كانت لديك قناعة بأنّ حظّك عاثر، فستلاحقك المساوىء والعثرات..

Loading...

في هذا الزمن يعيش معظمُنا حالةً من التشتّت والضياع، حتّى أنّ أفكارنا ليست بأفكارنا، مفاهيمنا ليست بمفاهيمنا، معتقداتنا ليست بمعتقداتنا؛ فقد تبرمجنا على ذلك كلّه حتى اعتقدنا أنه يمثلّنا. لذلك فربما نحتاج اليوم أكثر من أيّ وقت مضى لأن نكون حقيقيين مع ذواتنا، نواجه أفكارنا التي لم تعد تخدمنا، فنختار منها ما يناسب فقط ثم نعيد صياغتها، بل ونعطيها اهتماماً وتركيزاً حتى تصبحَ المعتقَد الخاص الذي ينعكس على الواقع بما نحبّ أن نعيشه، ليمنحنا جودة ووفرة في مختلف جوانب الحياة.  ولئن سألتَ كيف يكون ذلك؟

نقول: لابدَّ من “عملية تنظيف” للمعتقدات والأفكار، تقول لويز هاي:”لا شيء يجبرنا على الاعتقاد بفكرة ما طوال العمر ..”فكرتنا عن أنفسنا، عن الآخرين، عن الحياة.. كلّ ذلك يحتاج إلى تنظيف وعندها حتماً ستتغيّر الحياة..

من جانب آخر يقول الدكتور صلاح الراشد: إنّ القَدَر قدَران؛ قدَرُ خير، وقدَر شر .. فالوفرة والمحبة والتسامح والغنى.. من أقدار الخير، لكنّ ذبذباتها عالية مرتفعة؛ والتعاسة والدمار والشقاء والفقر من أقدار الشر، وذبذباتها منخفضة، لهذا يمكنك إذاً أن تختار قدَرَكَ عن طريق التحكم بمستوى ذبذباتك وطاقتك، فتحافظ على مشاعر جيدة كالامتنان والشكر والرضا والمحبة والقبول..، وتكون على تردُّد قَدَر الخير ليأتيك كلُّ الخير، أو بتعبير آخر “تشبك مع ذبذبات الخير “.

إنّ الكونَ ذبذبيٌّ وليس قِيَمي، يعمل وفق قانون واضح “ما نركّز عليه نحصل عليه” أي أنّه يتعامل معنا وفق الذّبذبات التي نرسلها، وحسب نوعية الطاقة التي تصدر عن أفكارنا ومشاعرنا، فكلّما كانت ذبذباتنا مرتفعة كنّا في حالة من السّماح بجذب الأفضل؛ وتمكنّا من تحسين نوعيّة الأحداث في الحياة، واستطاعت هذه الذّبذبات المرتفعة أن تجذب لعالمنا تجارب جيّدة، وأشخاصاً جيّدين.

فلا تفقد ياصديقي ثقتك بالحياة، ولا تسىء الظنَّ بنفسك أو بالناس، والأوّلُ والأعظمُ أن تُحسِن الظنَّ بربّك كي يُحسِن ربُّك الظنَّ فيك.. تتوقّع الخير وتزرعه في كل مكان، فبذور الخير التي تزرعها اليوم ستحصدها غداً، والناس الطيبون أنت الذي ستجذبهم لحياتك بما صنعت من المعروف، كذلك اليسر والبركة في حياتك كانتا نتيجة لشيء جيد قدّمته فيما مضى هديةً للناس وللحياة .

نستشهد على ذلك بقصة حدثت مع الصيدلاني العراقي صالح العاني حيث قال:(..من متطلبات التخرج من كلية الصيدلة في جامعة بغداد، وبعد السنوات الخمس من الدارسة، كان عليّ تجاوز اختبار شفهي، يقيّم كلَّ ما درسته، وهو اختبار صعب يحتاج الكثير من المطالعة والمراجعة، وقبل يوم من الامتحان، طلب مني والدي رحمه الله، أن أذهب لشراء دواء لجارٍ مسنٍّ كفيف البصر . هذا الدّواء نادر، ويتوفّر في صيدليّة حكوميّة فقط، اسمها الصيدليّة المركزيّة، وهي بعيدة عن بيتنا؛ كما أنّ الذهاب إليها يحتاج نهاراً كاملاً بين ركوب الباص والانتظار في الطابور ..الخ.

نفّذتُ الأمر، وجلبتُ الدواء، وذهبتُ لأسلّمه للجار، ولأنّه كفيف، طلب منّي أن أشرح له بالتفصيل المملّ كلّ ما يتعلّق بهذا الدواء؛ ولأنّ سمعه ضعيف، كنت أُعيد عليه الشرح مرّاتٍ ومرّات، حتى حفظتُ المعلومات غيباً، وعندما اكتفى، عدتُ للبيت، وأعدتُ نفس المعلومات لوالدي، طبعاً، لأنّه كان يريد الاطمئنان عن حالة جارنا..!

ثمّ حانت ساعة الصفر، وقابلتُ لجنة التقييم في الكلية، ثلاثة من الأساتذة الأفاضل، كنت الممتحَن الأخير، وكان الوقت قد تأخّر، والتعب قد نال من اللجنة وقتها، فقال لي رئيس اللجنة: سنسألك سؤالاً واحداً فقط لا غير: اشرح لنا عن أقراص “الرونيكول..!!”وهنا كانت مهمتي سهلة جداً، فهو نفس الدواء الذي اشتريته لجارنا المسنّ كفيف البصر).

نستدلّ ممّا حدث مع الصيدلاني العراقي على حقيقةً جميلةً ربما نسيناها: ” وهل جزاء الإحسان إلا بالإحسان”!. والتي عبّر عنها الشاعر الحطيئة بشعره حين قال:

مَن يفعلِ الخير َلايَعدمْ جوازيَهُ                   لايذهبُ العُرفُ بينَ اللهِ والناسِ

وللإفادة فقد ولد الحطيئة لدى بني عبس من أَمَةٍ اسمها (الضراء) لم يُعرفُ له نسب فشبّ محروماً مظلوماً، لا يجد مدداً من أهله ولا سنداً من قومه فاضطرّ إلى قرض الشعر يجلب به القوت، ويدفع به العدوان، وينتقم به لنفسه من بيئةٍ ظلمته، ولعل هذا هو السبب في أنّه اشتد في هجاء الناس، ولم يكن يسلم أحد من لسانه فقد هجا أمّه وأباه بل وهجا نفسه. لكنّ بيتاً شعرياً قاله في الإحسان كان من أعظم ماقيل في هذه المرتبة العالية من الإيمان.

فالإحسان في اللغة كلمة مشتقة من (حسن) وهي في معناها ضد الإساءة.

فعسانا نُحسن لأنفسنا وللحياة عموماً بمراقبة أفكارنا ومشاعرنا وأفعالنا، ننثر منها ما هو جيد وإيجابي لنساهم في تحسين مسار الجذب لكل ماهو خير ، وكذلك نساهم في تعمير الحياة على كوكب الأرض الذي هو بأمس الحاجة إلى طاقات الخير والإحسان والحب والسلام.

اضافة تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حصري

Translate »