اخبار الجالية

الأمهات الوحيدات في المهجر يروين معاناتهن …أي حياة ؟

جريدة المهاجر the migrant

جريدة المهاجرـ لمى فرح : المرة الأولى التي سمعت فيها بمصطلح Single Mothers كانت هنا في كندا وكان وقعه غريباً ، فنحن كشرق أوسطيين أتينا من بلاد تقدّس مفهوم الزواج والعائلة والترابط الأسري لأنه مبنيّ على أسس وعقائد  دينية  وأعراف وضوابط اجتماعية صارمة وموروثات تناقلتها الأجيال بسلبياتها وإيجابياتها وكانت بمثابة القوانين التي لا تقبل الجدل فكان على الزوجين ربما احتمال ما قد لايحتمل في العلاقة الزوجية حرصاً على الأولاد وعلى سمعة العائلة .

“الأم العازبة” كما يسمى في الدول الغربية، وبمفهومه العام هو عبارة تطلق على الأمهات اللواتي يربين أولادهن بمفردهن لأسباب متعددة ، إما الطلاق أو وفاة الزوج أو عمل الزوج في غير البلد الذي تعيش فيه زوجته وأولاده أو في حالات الإنجاب غير الشرعي وعدم التزام الأب بالمولود.

أياً كانت الأسباب فلا شك أنه عندما يقع  إعالة أسرة وتنشئة الأبناء على كاهل أحد الأبوين فقط  بصفة خاصة فليس بالأمر السهل إطلاقاً وتحديداً عندما تكون الأم وبشكل خاص والذي هو موضوعنا اليوم أي الأمهات العربيات “العازبات” أو الوحيدات في المهجر .

ولكي نفهم وندرك ماهيّة الحياة التي تعيشها تلك السيدات ، كان لابد أن نرى الواقع بعيونهن ومن خلال تجاربهنّ هُن أنفسهن.

السيدة ” ندى يوسف” اختارت العمل في مجال العقارات بعد أن حصلت بجهدها ومثابرتها على شهادة خبيرعقاري من كندا وهي حاصلة على شهادة هندسة العمارة من سوريا ، وأم لثلاثة أبناء، فتاتان في المرحلة الجامعية وشاب في المرحلة الثانوية.قدمت “ندى” بمفردها مع أبناءها الى كندا منذ حوالي ٧ سنوات من إحدى دول الخليج، بينما اختار الزوج البقاء هناك لمتابعة عمله .

ترى ” ندى ” في حديث لـ ” المهاجر ” أن هناك الكثير من  التحديات التي تواجهها الأم العربية “العازبة ” منها تعلّم اللغة التي هي أحد الأدوات الرئيسيّة للحصول على عمل وكذلك من أجل إعالة الأولاد  وللتواصل مع الآخرين بهدف إتمام المهمات اليومية فيما يتعلق بكل تفاصيل الحياة .

وتضيف كان الحصول على  منزل الذي هو هنا بمثابة المأوى لمن ليس له عائلة أو أصدقاء مقربين من الأساسيات للشعور بالاستقرار والراحة ولبدء حياة جديدة أيضاً …كل هذه المسؤوليات لا تقلّ عنها أهمية ـ إن لم يكن الأهم ـ وهو الدعم النفسي  الذي يحتاجه الأبناء لتخطّي الشعور بالغربة والحنين الى أصدقائهم وبلدهم الأم وعائلتهم الكبيرة.

وتعتبر “ندى” أن  دور الأم الأساسي هنا هو أن تستجمع  قوتها وصلابتها لتقدّم الدعم النفسي والمعنوي للأولاد حتى يستطيعون التكيّف مع البيئة الجديدة بشكل سلس ، و إن كانت هي نفسها بحاجة لمن يدعمها ويقوّيها على مواجهة كل المسؤوليات الملقاة على عاتقها في غياب الأب .

بدورها اضطرت السيدة ( ن . أ ) والتي قدمت إلى كندا منذ حوالي سنتين مع  زوجها وأربعة أولاد ، أن تواجه الحياة بمفردها بعد طلاقها وعودة زوجها السابق إلى بلده وترى أن التحدي الأول والأهم للأم “العازبة” هو تحدي النفس والتصميم على المضي في الحياة الجديدة بمفردها والنجاح في رعاية الأبناء وإعالتهم وتناسي الماضي والجراح الشخصية التي خلفتها حياة زوجية غير ناجحة .

وتعتقد أن كندا هي من البلدان المثالية التي تدعم حقوق المرأة من جهة القوانين والأنظمة الوضعية والإجتماعية قياساً لما هو عليه في الدول العربية .

وعن علاقة الأم مع أبنائها في غياب الأب ، ووفقاً للتجربة التي عاشتها السيدة “ندى” على مدى ٧ سنوات مع أبناءها الثلاثة فتقول ” علينا أن نوازن في تعاطينا مع الأبناء بين صرامة الأب ومرونة وعطف الأم ، وإن كان ذلك ليس بالأمر السهل في بلد ينشأ فيه الأبناء على الاستقلالية والوعي بحقوقهم كاملة الى الدرجة التي يصعب فيها علينا كشرقيين أن نتقبله ” ، لكنها تؤمن أنه بالصبر والحكمة يمكن للأم أن تصل بأبنائها إلى برّ الأمان النفسي والإجتماعي من دون التفريط في القيم التي نشأت عليها هي نفسها ، وهذا بدوره يتحول الى علاقة إيجابية مع الأبناء وأكثر قرباً وحميمية.

ولا تختلف السيدة (ن . ا) في هذا الرأي وترى أن العلاقة مع أبنائها أصبحت أكثر عمقاً ..معتبرة أن اتخاذ القرارات الفردية فيما يتعلق بالأبناء قد يكون له أثره الفعّال في عدم تشويش ذهن الأبناء والإلتزام والطاعة بدلاّ من تضارب الأراء في منزل يخلو من أي أساس للتفاهم بين الزوجين .

وتتفق السيدتان “ندى” و “ن . ا” على أن المنغصات التي تواجههما كإناث وكأمهات عازبات هي النظرة الخاطئة للمجتمع المحيط بهما من العرب تحديدا ، وكأن المرأة في ظروفها هذه فريسة سهلة أو بحسب تعبير السيدة ” ن . ا” “مصيدة لأطماع الرجال” مما دعاها لعدم الإجهار بطلاقها إلا للمقربين جداً منها تجنباً لأي مضايقات قد تتعرض لها .

ويرى كثيرون أنه من الصعب جداً التعامل مع الرجل العربي هنا في كندا ، القادم من مجتمع ذكوري ولا يزال يعيش ازدواجية المعايير بالنسبة لعلاقته بالمرأة ، فما لا يرتضيه لزوجته وأخته قد يرتضيه لنساء لا يمتنّ له بصلة.ولا يقتصر هذا الأمر على الرجال فالمرأة العربية ليست أحسن حالاً في نظرتها للمرأة المطلقة أو الأرملة أو التي تعيش في غياب زوجها ، فهي تراها تهديداً ربما لزواجها  فتنشأ مشاعر الغيرة والنظرة الفوقية لهنّ وهذا ما يجعل اندماج الأم “العازبة” مع من حولها من العائلات مرهقاً وغير مريح وكأنه لا يحق لها أن تستمتع كالآخرين بحياة اجتماعية سعيدة متنوعة.

من السهل جداً الحكم على حياة الآخرين وإعطاء النصائح يميناً ويساراً عندما لا نختبر ظروفهم وتضحياتهم والصعاب التي يعيشونها ، ولكن لتكن لنا وقفة مع الذات رجالاً كنّا أم نساء ماذا لو أجبرتنا الحياة على أن نكون في ذات الوضع ؟ عندها سندرك أن كل ما نحتاجه هو العيش في بلد يحمي بقوانينه وأنظمته ومؤسساته الأم “العازبة” وأن نكون في مجتمع ينظر بعين التقدير والإحترام والمساواة لمن اضطر أن يربيّ أبناءه ويتحمل مسؤوليات حياة كاملة على عاتقه وحده ، وكلنا أمل في أن نصبح كمهاجرين وبكل ما نحمله معنا من معتقدات وأفكار وأحكام جاهزة ، أكثر وعياً وأكثر انفتاحاً في تقبل الآخر واستيعابه وتفهمه، في بلد قدمنا إليه رغبة منّا في حياة أكثر كرامة وحرية.

 

جريدة المهاجر the migrant
migrant
the authormigrant
‏‎Kamil Nasrawi‎‏

اترك تعليقاً